باب إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة والمؤمنات إذا عصين الله وتجريدهن
حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب الطائفي قال : حدثنا هشيم قال : أخبرنا حصين عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن - وكان عثمانيا فقال لابن عطية وكان علويا : إني لأعلم ما الذي جرأ صاحبك على الدماء ، وسمعته يقول : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم والزبير فقال : ائتوا روضة كذا وتجدون بها امرأة أعطاها حاطب كتابا ، فأتينا الروضة فقلنا : الكتاب ، قالت : لم يعطني فقلنا : لتخرجن أو لأجردنك ، فأخرجت من حجزتها ، فأرسل إلى حاطب ، فقال : لا تعجل والله ما كفرت ولا ازددت للإسلام إلا حبا ، ولم يكن أحد من أصحابك إلا وله بمكة من يدفع الله به عن أهله وماله ، ولم يكن لي أحد ، فأحببت أن أتخذ عندهم يدا ، فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم قال عمر : دعني أضرب عنقه . فإنه قد نافق فقال ما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، فهذا الذي جرأه . مطابقته للترجمة كلها ما تتأتى ؛ لأن حديث الباب ليس فيه النظر إلى المؤمنات إذا عصين الله ، نعم يطابق الترجمة قوله: فأخرجت من حجزتها ، وفي الحديث الذي مضى في باب الجاسوس : فأخرجته من عقاصها ، وعن قريب نذكر التوفيق بينهما ، وعقاصها ذوائبها المضفورة ، فلم يكن إلا وقد كشفت شعرها لإخراج الكتاب ، فبالضرورة حينئذ نظروا إليه للضرورة ، وقوله أيضا : أو لأجردنك يطابق في الترجمة قوله: وتجريدهن ، وقيل : ليس في الحديث بيان هل كانت المرأة مسلمة ، أو ذمية ، لكن لما استوى حكمهما في تحريم النظر لغير حاجة شملهما الدليل ، وقال ابن التين : إن كانت مشركة لم يوافق الترجمة ، وأجيب بأنها كانت ذات عهد فحكمها حكم أهل الذمة .
ذكر رجاله وهم محمد بن عبد الله بن حوشب بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الشين المعجمة ، وفي آخره باء موحدة الطائفي ، وهشيم بن بشير الواسطي ، وحصين بضم الحاء ، وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي ، وسعد بن عبيدة بضم العين وفتح الباء الموحدة أبو حمزة السلمي الكوفي ، ختن أبي عبد الرحمن عبد الله السلمي ، وكل هؤلاء قد مروا . والحديث قد مر من وجه آخر في الجهاد في باب الجاسوس عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . قوله : وكان عثمانيا أي وكان عبد الرحمن يقدم عثمان بن عفان على علي بن أبي طالب ، وهو قول أكثر أهل السنة قوله : فقال لابن عطية هو حبان بكسر الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة .
قوله : وكان علويا أي يفضل علي بن أبي طالب على عثمان ، وهو قول جماعة من أهل السنة من أهل الكوفة قوله : إني لأعلم مقول قوله : قال أي قال أبو عبد الرحمن لابن عطية : إني لأعلم ما الذي جرأ ، أي : أي شيء جرأ صاحبك ، وقوله : وكان علويا جملة معترضة بين القول ومقوله . قوله : جرأ بتشديد الراء من الجراءة ، وهي الجسارة ، وأراد بقوله : صاحبك علي بن أبي طالب ، قال الكرماني : كيف جاز نسبة الجراءة على القتل إلى علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ؟ وأجاب بقوله : غرضه أنه لما كان جازما أنه من أهل الجنة عرف أنه إن وقع منه خطأ فيما اجتهد فيه عفي عنه يوم القيامة قطعا . انتهى .
قلت : قول أبي عبد الرحمن ظن منه ؛ لأن عليا رضي الله تعالى عنه على مكانته من الفضل والعلم لا يقتل أحدا إلا بالواجب ، وإن كان قد ضمن له بالجنة لشهوده بدرا وغيرها ، ومع هذا قال الداودي : بئس ما قال أبو عبد الرحمن . قوله : وسمعته يقول أي سمعت عليا رضي الله تعالى عنه يقول : بعثني النبي صلى الله عليه وسلم والزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه ، قوله : روضة كذا أي روضة خاخ كما ذكر هكذا في باب الجاسوس . قوله : امرأة ، وهي سارة بالسين المهملة والراء .
قوله : حاطب ، وهو حاطب بن أبي بلتعة بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح التاء المثناة من فوق ، وبالعين المهملة . قوله : الكتاب منصوب بمقدر أي هات الكتاب ونحوه . قوله : لم يعطني أي لم يعطني حاطب الكتاب ، أو لم يعطني أحد الكتاب .
قوله : لتخرجن باللام المفتوحة وبالنون المشددة أي لتخرجن الكتاب ، أو لأجردنك من الثياب ، يقال : جردت الثوب عنه أي نزعته وكشفت عنه ، وكلمة أو هنا بمعنى إلا في الاستثناء ، ولأجردنك منصوب بأن المقدرة ، والمعنى لتخرجن الكتاب إلا أن تجردي كما في قولك لأقتلنك ، أو تسلم ؛ أي إلا أن تسلم ، وقريب منه أن يكون بمعنى إلى كما في قولك : لألزمنك أو تعطيني حقي أي إلى أن تعطيني حقي . قوله : فأخرجت ويروى : فأخرجته ، أي فأخرجت الكتاب من حجزتها بضم الحاء المهملة وسكون الجيم وبالزاي ، وهي معقد الإزار ، وحجزة السراويل التي فيها التكة ، ووقع في رواية القابسي من حزتها بحذف الجيم ، وهي لغة عامية ، وقد مضى في باب الجاسوس أنها أخرجته من عقاصها ، وهي شعورها المضفورة ، والتوفيق بينهما بأنه لعلها أخرجته من الحجزة أولا ثم أخفته في عقاصها ثم اضطرت إلى الإخراج عنها ، أو المراد من الحجزة المعقد مطلقا ، أو الحبل ؛ إذ الحجاز حبل يشد بوسطه يد البعير ثم يخالف فيعقد به رجلاه ، ثم يشد طرفاه إلى حقويه ، أو عقاصها كانت تصل إلى موضع الحجزة ، فباعتباره صح الإطلاقان ، أو كان ثم كتابان ، وإن كان مضمونهما واحدا كما أن القضية واحدة . قوله : فقال : لا تعجل أي فقال حاطب : لا تعجل يا رسول الله .
قوله : فهذا الذي جرأه أي قوله اعملوا ما شئتم لأهل بدر هو الذي جرأ حاطبا ، وبقية البحث مرت في باب الجاسوس .