حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ

( باب وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ أَتَدْعُونَ بَعْلا وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ اللَّهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبَائِكُمُ الأَوَّلِينَ فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ قال ابن عباس : يذكر بخير سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ . أي هذا باب معقود فيه ، قوله تعالى : وَإِنَّ إِلْيَاسَ إلى آخره ، إلياس هو ابن تسبي بن فنحاص بن العيزار بن هارون بن عمران ، قاله ابن إسحاق ، وعن ابن عباس إلياس بن ياسين بن العيزار بن هارون ، وبه قال مقاتل ، وحكى الثعلبي عن ابن مسعود أن إلياس هو إدريس كما أن يعقوب هو إسرائيل ، قال عكرمة : وكذا في مصحف ابن مسعود : وإن إدريس لمن المرسلين ، وقيل : هو نبي من أنبياء بني إسرائيل ، وعن ابن عباس هو عم ليسع ، وقال آخرون : بعثه الله إلى بني إسرائيل بعد مهلك حزقيل ، وقال وهب : إن الله لما قبض حزقيل وعظم في بني إسرائيل الأحداث ، ونسوا ما كان من عهد الله إليهم حتى نصبوا الأوثان وعبدوها فبعث ج١٥ / ص٢٢٣الله إليهم إلياس رسولا ، وكان إلياس مع ملك من ملوك بني إسرائيل اسمه جاب ، وله امرأة اسمها أزبيل ، وكان يسمع منه ويصدقه ، وكان بنو إسرائيل قد اتخذوا صنما يقال له : بعل ، وقال ابن إسحاق : سمعت بعض أهل العلم يقول : ما كان بعل إلا امرأة يعبدونها من دون الله ، فجعل إلياس يدعوهم إلى الله وهم لا يسمعون منه شيئا إلا ما كان من ذلك الملك ، ثم إنه قال يوما لإلياس : " والله ما أرى ما تدعو إليه إلا باطلا ، والله ما أدري فلانا وفلانا فعدد ملوكا مثله من ملوك بني إسرائيل متفرقين بالشام يعبدون الأوثان إلا على مثل ما نحن عليه ، يأكلون ويشربون ، ما ينقص دنياهم ، فيزعمون أن إلياس استرجع ، ثم رفضه وخرج عنه ، وفعل ذلك الملك ما فعل أصحابه من عبادة الأوثان ، فقال إلياس : اللهم إن بني إسرائيل قد أبوا إلا الكفر ، فذكر لي أنه أوحى إليه أنا جعلنا أمر أرزاقهم بيدك حتى تكون أنت الذي تأذن لهم في ذلك ، فقال إلياس : اللهم أمسك عنهم المطر " ، فحبس عنهم ثلاث سنين حتى هلكت المواشي والهوام والشجر ، ولما دعا عليهم استخفى شفقة على نفسه منهم ، فكان حيث ما كان وضع له رزق ، وكانوا إذا وجدوا ريح الخبز في مكان قالوا : لقد دخل الناس هذا المكان فيطلبونه ، ويلقى أهل ذلك المنزل منهم شرا ، ثم إنه استأذن الله في الدعاء لهم فأذن له ، فجاءهم فقال : إن كنتم تجيبون أن الذي أدعوكم إليه هو الحق ، وأنكم على باطل فأخرجوا أوثانكم وما تعبدون واجأروا إليهم ، فإن استجابوا لكم فهو كما تقولون ، وإن هي لم تفعل علمتم أنكم على باطل ، وأدعو الله تعالى إلى أن يفرج عنكم ما أنتم فيه ، قالوا : أنصفت فخرجوا بأوثانهم فدعوها فلم تستجب لهم فعرفوا ما هم عليه من الضلالة ، ثم سألوا إلياس الدعاء فدعا ربه ، قال : فمطروا بساعتهم فحسنت بلادهم ، فلم يبرحوا ولم يرجعوا ، وأقاموا على أخبث ما كانوا عليه ، فدعا الله تعالى أن يقبضه ، فكساه الريش ، وألبسه النور ، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب ، فكان إنسيا ملكيا أرضيا سماويا يطير مع الملائكة .

وذكر الحاكم عن أنس مصححا أنه اجتمع مع سيدنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - في بعض السفرات ، وخالفه ابن الجوزي في تصحيحه
، قوله : " إِذْ قَالَ " : أي اذكر حين قال إلياس لقومه : ألا تتقون عذاب الله بالإيمان به ، قوله : أَتَدْعُونَ بَعْلا أي أتعبدون بعلا ، وهو اسم لصنم كان لهم يعبدونه ، فلذلك سميت مدينتهم بعلبك ، وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي : البعل الرب بلغة أهل اليمن ، وهي رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وكان من ذهب طوله عشرون ذراعا وله أربعة أوجه فتنوا به ، وعظموه ، وله أربعمائة سادن جعلوهم أنبياء ، فكان إبليس - لعنه الله تعالى - يدخل في جوفه ويتكلم بشريعة الضلالة والسدنة يحفظونها ويعلمونها الناس وهم أهل بعلبك من بلاد الشام .

قوله : وَتَذَرُونَ أي تتركون الله أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ فلا تعبدون الله ربكم ، قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب الله بالنصب ، وينصبون ربكم ورب آبائكم على البدل ، والباقون برفعها على الاستئناف ، قوله : فَكَذَّبُوهُ أي إلياس ، قوله : فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ في العذاب والنار إِلا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ من قومه فإنهم نجوا من العذاب . قوله : سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ قرأ ابن عامر ونافع ويعقوب آل ياسين بالمد ، والباقون إلياسين بالقطع والقصر ، فمن قرأ آل ياسين بالمد فإنه أراد آل محمد - صلى الله تعالى عليه وسلم - وقيل : أراد إلياس وهو أليق بسياق الآية ، ومن قرأ إلياسين فقد قيل : إنها لغة في إلياس مثل إسماعيل وإسماعين ، وميكائيل وميكائين ، وقال الزمخشري : قرئ على إلياسين وإدريسين وإدراسين على أنها لغات في إلياس وإدريس ، ولعل لزيادة الياء والنون في السريانية معنى ، وعن بعضهم أنه قرئ الياس بترك الهمزة في ألف إلياس ، ويجعل الألف واللام داخلين على ياس للتعريف ، ويقولون : كان اسمه ياس فدخلت عليه الألف واللام . ويذكر عن ابن مسعود وابن عباس أن إلياس هو إدريس .

ذكره معلقا بصيغة التمريض ، ووصل تعليق عبد الله بن مسعود عبد بن حميد ، وابن أبي حاتم عنه ، وتعليق ابن عباس وصله جرير في تفسيره عن الضحاك عنه ، واستدل بهذا ابن العربي أن إدريس لم يكن جدا لنوح عليه السلام ، وإنما هو من بني إسرائيل ؛ لأن إلياس قد ورد أنه من بني إسرائيل ، واستدل على ذلك أيضا بقوله عليه السلام للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج مرحبا بالنبي الصالح ، والأخ الصالح ، ولو كان من أحد أجداده لقال له كما قال له آدم وإبراهيم عليهما السلام : بالابن الصالح . ج١٥ / ص٢٢٤قيل : يمكن أنه قال ذلك على سبيل التواضع والتلطف ، وقد ذكرنا عن قريب كيف ساق ابن إسحاق نسبه الكريم . وفيه إدريس وهو خنوخ وهو المشهور عند الجمهور ، والله سبحانه وتعالى أعلم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث