باب ما جاء في أسماء النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حدثني إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثني معن ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لي خمسة أسماء أنا محمد ، وأحمد ، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر ، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي ، وأنا العاقب . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ومعن ، بفتح الميم وسكون العين المهملة ، وفي آخره نون ابن عيسى القزاز مر في الوضوء ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن أبي اليمان ، عن شعيب . وأخرجه مسلم في فضائل النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، عن زهير بن حرب ، وإسحاق بن إبراهيم ، وابن أبي عمرو ، عن حرملة بن يحيى ، وعن عبد الملك بن شعيب ، وعن عبد بن حميد .
وأخرجه الترمذي في الاستئذان ، عن سعيد بن عبد الرحمن ، وفي الشمائل عن غير واحد . وأخرجه النسائي في التفسير ، عن علي بن شعيب البغدادي ، عن معن بن عيسى به . قوله : عن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه .
كذا وقع موصولا عند معن بن عيسى عن مالك . وقال الأكثرون : عن مالك ، عن الزهري ، عن محمد بن جبير مرسلا ، ووافق معنا على وصله عن مالك جويرية بن أسماء عند الإسماعيلي ، ومحمد بن المبارك ، وعبد الله بن نافع عند أبي عوانة . وأخرجه الدارقطني في الغرائب عن آخرين عن مالك .
وقال : إن أكثر أصحاب مالك أرسلوه . ورواه مسلم موصولا من رواية يونس بن يزيد ، وعقيل ، ومعمر ، ورواه البخاري أيضا موصولا في التفسير من رواية شعبة ، ورواه الترمذي أيضا موصولا من رواية ابن عيينة ، كلهم عن الزهري . قوله : لي خمسة أسماء ، فيه سؤالان : الأول : أنه قصر أسماءه على خمسة ، وأسماؤه أكثر من ذلك ، وقد قال أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي عن بعضهم : إن لله تعالى ألف اسم ، وكذا للرسول ، والثاني : أن قوله : الماحي ونحوه صفة لا اسم .
الجواب عن الأول أن مفهوم العدد لا اعتبار له فلا ينفي الزيادة ، وقيل : إنما اقتصر عليها ؛ لأنها موجودة في الكتب القديمة ، ومعلومة للأمم السالفة ، وزعم بعضهم أن العدد ليس من قول النبي عَلَيْهِ الصلاة وَالسَلّاَمَ ، وإنما ذكره الراوي بالمعنى ، ورد عليه لتصريحه في الحديث بذلك ، وقيل : معناه : ولي خمسة أسماء لم يسم بها أحد قبلي ، وقيل : معناه أن معظم أسمائي خمسة . والجواب عن الثاني أن الصفة قد يطلق عليها الاسم كثيرا . قوله : أنا محمد ، هذا هو الأول من الخمسة .
وقال السهيلي في الروض : لا يعرف في العرب من تسمى محمدا قبل النبي عَلَيْهِ الصلاة وَالسَلَّامَ إلا ثلاثة : محمد بن سفيان بن مجاشع ، ومحمد بن أحيحة بن الجلاح ، ومحمد بن حمران بن ربيعة ، وقد رد عليه ، ومنهم من عد ستة ، ثم قال : ولا سابع لهم ، ثم عدهم فذكر منهم هؤلاء الثلاثة ، وزاد عليهم : محمد بن خزاعي السلمي ، ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، ومحمد بن براء البكري ، ورد عليه أيضا بجماعة تسموا بمحمد : وهم محمد بن عدي بن ربيعة السعدي روى حديثه البغوي ، وابن سعد ، وابن شاهين ، وغيرهم ، ومحمد بن اليحمد الأزدي ، ذكره المفجع البصري في كتاب المنقذ ، ومحمد بن خولي الهمداني ذكره ابن دريد ، ومحمد بن حرماز ، ذكره أبو موسى في الزيل ، ومحمد بن عمرو بن مغفل ، بضم الميم ، وسكون الغين المعجمة ، وكسر الفاء ، وباللام ، ومحمد الأسيدي ، ومحمد الفقيمي ، ومحمد بن يزيد بن ربيعة ، ومحمد بن أسامة ، ومحمد بن عثمان ، ومحمد بن عتوارة الليثي . قوله : وأنا أحمد ، هذا هو الثاني من الخمسة . ويروى : وأنا محمد وأحمد بغير لفظة : وأنا .
قوله : وأنا الماحي هذا هو الثالث من الخمسة . قيل : أراد بقوله : الذي يمحو الله بي الكفر من جزيرة العرب . وقال الكرماني : محو الكفر إما من بلاد العرب ، ونحوها ، وفيه نظر ؛ لأنه وقع في رواية عقيل ومعمر : يمحو الله بي الكفرة .
وفي رواية نافع بن جهير : وأنا الماحي ، فإن الله يمحو به سيئات من اتبعه . قلت : قوله : هذا عام يتناول كفر كل أحد في كل أرض . قوله : وأنا الحاشر ، هذا هو الرابع من الخمسة ، وقد فسره بقوله : الذي يحشر الناس على قدمي ، أي : على أثري ، أي : أنه يحشر قبل الناس ، ويوافق هذا لقوله في الرواية الأخرى : يحشر الناس على عقبي ، ويقال : معناه على زماني ، ووقت قيامي على القدم بظهور علامات الحشر ، ويقال : معناه لا نبي بعدي .
قوله : قدمي ، ضبطوه بتخفيف الياء وتشديدها مفردا ومثنى . قوله : وأنا العاقب ، هذا هو الخامس ، وزاد يونس بن يزيد في روايته عن الزهري : الذي ليس بعده أحد ، وقد سماه الله رؤوفا رحيما . وقال البيهقي في الدلائل .
قوله : وقد سماه الله ، إلى آخره . مدرج من قول الزهري ، وفي دلائل البيهقي العاقب ، يعني : الخاتم ، وفي لفظ الماحي والخاتم ، وفي لفظ فأنا حاشر فبعثت مع الساعة نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد . وعند مسلم في حديث أبي موسى الأشعري ، ونبي التوبة ، ونبي الملحمة ، وعن أبي صالح قال صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنما أنا رحمة مهداة .
وقال أبو زكريا العنبري : لنبينا محمد - صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خمسة أسماء في القرآن العظيم : قال الله عز وجل : محمد رسول الله . وقال : ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد . وقال : وإنه لما قام عبد الله ، يعني : النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليلة الجن .
وقال : طه . وقال : يس ، يعني : يا إنسان ، والإنسان هنا العاقل ، وهو محمد صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وقال البيهقي : وزاد عبدة ، وسماه في القرآن رسولا نبيا أميا ، وسماه : شاهدا ومبشرا ونذيرا ﴿وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ﴾.
وسماه مذكرا ورحمة ، وجعله نعمة ، وهاديا . وعن كعب قال الله عز وجل : لمحمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عبدي المتوكل المختار ، وعن حذيفة بسند صحيح يرفعه : أنا المقفى ونبي الرحمة . وعن مجاهد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أنا رسول الرحمة ، أنا رسول الله الملحمة بعثت بالحصاد ، ولم أبعث بالزراع .
وفي كتاب الشفاء : وأنا رسول الراحة ، ورسول الملاحم ، وأنا قثم ، والقثم الجامع الكامل ، وفي القرآن المزمل ، والمدثر ، والنور ، والمنذر ، والبشير ، والشاهد ، والشهيد ، والحق ، والمبين ، والأمين ، وقدم الصدق ، ونعمة الله ، والعروة الوثقى ، والصراط المستقيم ، والنجم الثاقب ، والكريم ، وداعي الله ، والمصطفى ، والمجتبى ، والحبيب ، ورسول رب العالمين ، والشفيع ، والمشفع ، والمتقي ، والمصلح ، والظاهر ، والصادق ، والمصدوق ، والهادي ، وسيد ولد آدم ، وسيد المرسلين ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وحبيب الله ، وخليل الرحمن ، وصاحب الحوض المورود ، والشفاعة ، والمقام المحمود ، وصاحب الوسيلة ، والفضيلة ، والدرجة الرفيعة ، وصاحب التاج ، والمعراج ، واللواء ، والقضيب ، وراكب البراق ، والناقة ، والنجيب ، وصاحب الحجة ، والسلطان ، والعلامة ، والبرهان ، وصاحب الهراوة ، والنعلين ، والمختار ، ومقيم السنة ، والمقدس ، وروح القدس ، وروح الحق ، وهو معنى البارقليط في الإنجيل . وقال ثعلب : البارقليط الذي يفرق بين الحق والباطل ، وماذماذ معناه طيب طيب ، والبرقليطس بالرومية . وقال ثعلب : الخاتم الذي ختم الأنبياء ، والخاتم أحسن الأنبياء خلقا ، وخلقا ، ويسمى بالسريانية مشفح ، والمنحمنا ، وفي التوراة : آحيد ، ذكره ابن دحية بمد الألف ، وكسر الحاء ، ومعناه آحيد أمتي عن النار ، وقيل : معناه الواحد .
وقال عياض : ومعناه صاحب القضيب ، أي : السيف ، وفي الدر المنظم للعرقي من أسمائه المصدق المسلم الإمام المهاجر العامل أذن خير الآمر الناهي المحلل المحرم الواضع الرافع المجير . وقال ابن دحية أسماؤه وصفاته إذا بحث عنها تزيد على الثلاثمائة ، وقد ذكرنا عن ابن العربي أن أسماءه بلغت ألفا كأسماء الله تعالى .