باب علامات النبوة في الإسلام
حدثنا أبو اليمان ، أخبرنا شعيب عن الزهري قال : أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما إذ أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بني تميم فقال : يا رسول الله اعدل فقال : ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ، فقال عمر : يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال : دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى رصافه فما يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى نضيه وهو قدحه فلا يوجد فيه شيء ، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البضعة تدردر ، ويخرجون على حين فرقة من الناس . قال أبو سعيد : فأشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه ، فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتي به حتى نظرت إليه على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم ، وفي استتابة المرتدين عن عبد الله بن محمد ، وفي فضائل القرآن عن عبد الله بن يوسف ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن محمد بن المثنى به ، وعن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى وأحمد بن عبد الرحمن ، وأخرجه النسائي في فضائل القرآن عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين ، وفي التفسير عن محمد بن عبد الأعلى ، وأخرجه ابن ماجه في السنة عن أبي بكر بن أبي شيبة .
( ذكر معناه ) الكلام في بينما قد مر غير مرة . قوله : وهو يقسم الواو فيه للحال . قوله : أتاه ذو الخويصرة بضم الخاء المعجمة وفتح الواو وسكون الياء آخر الحروف وكسر الصاد المهملة وبالراء ، وفي تفسير الثعلبي بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقسم غنائم هوازن جاءه ذو الخويصرة التميمي أصل الخوارج فقال : اعدل قال : هذا غير ذي الخويصرة اليماني الذي بال في المسجد .
وقال ابن الأثير في كتاب الأذواء : ذو الخويصرة رجل صحابي من بني تميم وهو الذي قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم في قسم قسمه : اعدل انتهى . ولما ذكره السهيلي عقبه بقوله ، ويذكر عن الواقدي أنه حرقوص بن زهير الكعبي من سعد تميم ، وكان لحرقوص هذا مشاهد كثيرة مشهورة محمودة في حرب العراق مع الفرس أيام عمر رضي الله تعالى عنه ، ثم صار خارجيا قال : وليس ذو الخويصرة هذا هو ذو الثدية الذي قتله علي رضي الله تعالى عنه بالنهروان ذاك اسمه نافع ذكره أبو داود ، وقيل : المعروف أن ذا الثدية اسمه حرقوص وهو الذي حمل على علي رضي الله تعالى ليقتله فقتله علي رضي الله تعالى عنه . قوله : قد خبت بلفظ المتكلم وبالخطاب أي : خبت أنت لكونك تابعا ومقتديا لمن لا يعدل ، والفتح أشهر وأوجه .
قوله : فقال عمر أي ابن الخطاب ، وقال في موضع آخر : فقال خالد بن الوليد : ائذن لي في قتله ، ولا مانع أن يكون كل منهما استأذن في ذلك . قوله : فإن له أصحابا الفاء فيه ليس للتعليل في ترك القتل في كون الأصحاب له وإن استحق القتل بل لتعقيب الأخبار ، أي قال : دعه ثم عقب مقالته بقصتهم ، وغاية ما في الباب أن حكمه حكم المنافق وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقتلهم ؛ لئلا يقال : إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - يقتل أصحابه . قوله : لا يجاوز تراقيهم التراقي جمع ترقوة وهو عظم ، وأصل ما بين ثغرة النحر والعاتق ، وفي رواية : لا يجاوز حناجرهم .
قوله : يمرقون من المروق وهو الخروج ، وإن كان المراد بالدين الإسلام فهو حجة لمن يكفر الخوارج ، وإن كان المراد الطاعة لا يكون فيه حجة ، وإلى هذا مال الخطابي . قوله : من الرمية على وزن فعيلة بمعنى مفعولة وهو الصيد المرمي ، شبه مروقهم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فيدخل فيه ، ويخرج منه من شدة سرعة خروجه لقوة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء قوله : إلى نصله وهو حديدة السهم . قوله : إلى رصافه بكسر الراء وبالصاد المهملة ، ثم بالفاء وهو العصب الذي يلوى فوق مدخل النصل ، والرصاف جمع رصفة بالحركات الثلاث .
قوله : إلى نضيه بفتح النون وحكي ضمها ، وبكسر الضاد المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف ، وقد فسره في الحديث بالقدح بكسر القاف وسكون الدال المهملة ، وهو عود السهم قبل أن يراش وينصل وقيل : هو ما بين الريش والنصل قاله الخطابي ، وقال ابن فارس : سمي بذلك لأنه يرى حتى عاد نضوا أي : هزيلا ، وحكى الجوهري عن بعض أهل اللغة أن النضي النصل والأول أولى . قوله : إلى قذذه بضم القاف وبذالين معجمتين الأولى مفتوحة وهو جمع قذة وهي واحدة الريش الذي على السهم ، يقال : أشبه به من القذة بالقذة ؛ لأنها تحذى على مثال واحد ، قوله : قد سبق الفرث أي : قد سبق السهم بحيث لم يتعلق به شيء من الفرث والدم ، ولم يظهر أثرهما فيه ، والفرث السرجين ما دام في الكرش ، ويقال : الفرث ما يجتمع في الكروش مما تأكله ذوات الكروش ، وقال القاضي : يعني نفذ السهم في الصيد من جهة أخرى ، ولم يتعلق شيء منه به . قوله : آيتهم : أي علامتهم قوله : أو مثل البضعة بفتح الباء الموحدة : أي مثل قطعة اللحم ، قوله : تدردر بدالين وراءين بين مهملات : أي تضطرب وهو فعل مضارع من الدردرة وهو صوت إذا اندفع سمع له اختلاط ، وقيل : تدردر تجيء وتذهب ، ومنه دردر الماء ، قوله : على خير فرقة بفتح الخاء المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره راء أي : على أفضل فرقة أي : طائفة وهذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره على حين فرقة بكسر الحاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف ، ثم نون وفرقة بضم الفاء على هذه الرواية أي : على زمان فرقة : أي افتراق .
وقال القاضي : خير فرقة أي : أفضل طائفة هم علي رضي الله تعالى عنه ، وأصحابه وخير القرون ، وهو الصدر الأول ، قوله : فالتمس على صيغة المجهول أي : فطلب . قوله : على نعت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أي : على وصفه الذي وصفه ، والفرق بين الصفة والنعت هو أن النعت يكون بالحلية نحو الطويل والقصير ، والصفة بالأفعال نحو خارج وضارب فعلى هذا لا يقال الله منعوت ، بل يقال موصوف . وقيل : النعت ما كان لشيء خاص كالعرج والعمى والعور ؛ لأن ذلك يخص موضعا من الجسد والصفة ما لم تكن لشيء مخصوص كالعظيم والكريم .
( قلت ) : فلذلك قال أبو سعيد رحمه الله تعالى هنا على نعت النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فافهم ، فإن فيه دقة .