باب غزوة ذات الرقاع
وقال أبان : حدثنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن جابر قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع ، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي صلى الله عليه وسلم معلق بالشجرة ، فاخترطه فقال له : تخافني قال : لا ، قال : فمن يمنعك مني ؟ قال : الله فتهدده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأقيمت الصلاة فصلى بطائفة ركعتين ، ثم تأخروا وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين ، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتان . هذا طريق آخر في حديث جابر ، وهو معلق أخرجه عن أبان بفتح الهمزة وتخفيف الباء الموحدة ابن يزيد العطار البصري ، ووصله مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عفان ، عن أبان بتمامه ، قوله : ظليلة أي مظللة ، أي : ذات ظل كثيف . قوله فجاء رجل هو غورث على ما يأتي بيانه الآن .
قوله وسيف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الواو فيه للحال . قوله : وأقيمت الصلاة إلخ ، واستشكل ابن التين هذه الرواية عن جابر ؛ لأنهم كانوا في سفر ، فكيف يصلي بكل طائفة ركعتين ، وهو يصلي أكثر من المأمومين ؟ وأجيب بأنه لا إشكال هنا ؛ لأنهم صلوا معه ركعتين ، ثم كملوا ، يدل عليه قوله : ثم تأخروا . فإن قلت : قوله : وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع وللقوم ركعتين .
ينافي هذا الجواب . قلت : معنى قوله : وللقوم ركعتين مع الإمام وركعتين أخريين منفردين ، وأولوه كذا كما أولوا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فرض الله عز وجل الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا ، وفي السفر ركعتين ، وفي الخوف ركعة ؛ حيث قالوا : إن المراد ركعة مع الإمام وركعة أخرى يأتي بها منفردا ، كما جاءت الأحاديث الصحيحة في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الخوف ، وقال النووي : لا بد من هذا التأويل ، جمعا بين الأدلة . ( وقال مسدد : عن أبي عوانة عن أبي بشر : اسم الرجل غورث بن الحارث ، وقاتل فيها محارب خصفة ) .
أبو عوانة بفتح العين هو الوضاح اليشكري البصري ، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة هو جعفر بن أبي وحشية ، وهذا التعليق أخرجه سعيد بن منصور ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، يعني اليشكري الثقة ، عن جابر . قوله : اسم الرجل أراد الرجل الذي في قوله : فجاء رجل من المشركين . قوله : غورث بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وفتح الراء وبالثاء المثلثة ، وقيل : بضم أوله ، مأخوذ من الغرث ، وهو الجوع ، وحكى الخطابي فيه : غويرث بالتصغير .
قوله : وقاتل فيها أي في تلك الغزوة . قوله : محارب خصفة مفعول قاتل ، ومحارب مضاف إلى خصفة ، وقد ذكرنا أن محارب قبائل كثيرة ، فذكر خصفة للتمييز ، وروى البيهقي من طريقين ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر ، عن سليمان بن قيس ، عن جابر قال : قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب خصفة ، فرأوا من المسلمين غرة ، فجاء رجل منهم يقال له : غورث بن الحارث حتى قام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : من يمنعك . الحديث .
وقال أبو الزبير : عن جابر : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بنخل ، فصلى الخوف . أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس علقه عنه البخاري ، وتقدم الكلام في رواية أبي الزبير ، عن جابر عن قريب . قوله : فصلى الخوف ، أي فصلى صلاة الخوف .
وقال أبو هريرة : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف ، وإنما جاء أبو هريرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم أيام خيبر ) . هذا التعليق وصله أبو داود ، والطبراني ، وابن حبان من طريق أبي الأسود أنه سمع عروة يحدث عن مروان بن الحكم : أنه سأل أبا هريرة : هل صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ؟ وقال أبو هريرة : نعم ، قال مروان : متى ، قال : عام غزوة نجد . قوله : وإنما جاء أبو هريرة .. .
إلى آخره . ذكر البخاري هذا تأكيدا لقوله : إن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر ، وذلك لأن أبا هريرة ما جاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلا في أيام خيبر ، وفيه نظر لا يخفى ؛ لأنه لا يلزم من قوله : صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف أن يكون هذا في غزوة ذات الرقاع ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم غزا غزوات عديدة في جهة نجد .