باب قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم
باب قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ أي هذا باب في بيان قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا وليست في بعض النسخ هذه الترجمة ، قوله : وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ أي بالعقل ، قاله ابن عباس ، وعن الضحاك : بالنطق والتمييز ، وعن عطاء : بتعديل القامة ، وامتدادها ، وعن يمان : بحسن الصورة ، وعن محمد بن جرير : بتسليطهم على غيرهم من الخلق ، وتسخير سائر الخلق لهم ، وعن ابن عباس : كل شيء يأكل بفيه إلا ابن آدم يأكل بيده . كرمنا وأكرمنا واحد . قال بعضهم : أي في الأصل وإلا فبالتشديد أبلغ ، قلت : إذا كان مراده بالأصل الوضع فليس كذلك لأن لكل منهما بابا في الأصل موضوعا ، وإن كان مراده بالأصل الاستعمال فليس كذلك لأن كرمنا بالتشديد من باب التفعيل ، وأكرمنا من باب الإفعال ، بل المراد أنهما واحد في التعدي غير أن في كرمنا بالتشديد من المبالغة ما ليس في أكرمنا فافهم .
ضعف الحياة عذاب الحياة ، وضعف الممات عذاب الممات . أشار به إلى قوله تعالى : ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ﴾قال أبو عبيدة : التقدير ضعف عذاب الحياة ، وضعف عذاب الممات ، يريد عذاب الدنيا والآخرة أي ضعف ما يعذب به غيره ، وهذا تخويف لأمته عليه الصلاة والسلام لئلا يركن أحد من المسلمين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام الله وشرائعه ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان معصوما ، وقال ابن الجوزي : هذا وما شابهه محال في حقه عليه الصلاة والسلام . خلافك وخلفك سواء .
أشار به إلى قوله تعالى : وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلا قَلِيلا وكذا قال أبو عبيدة قال : وهما لغتان بمعنى ، وقرئ بهما ، فالجمهور قرؤوا : خلفك إلا قليلا ، وابن عامر : خلافك ، ومعناه : إلا قليلا بعدك . ونأى تباعد . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وفسر قوله : نأى بقوله : تباعد ، قال المفسرون : أي تباعد منا بنفسه ، وعن عطاء : تعظم وتكبر ، ويقال : نأى من الأضداد .
شاكلته ناحيته ، وهي من شكلته . أشار به إلى قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وفسرها بقوله : ناحيته ، وكذا رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وعن مجاهد : على حدته ، وعن الحسن وقتادة : على نيته ، وعن أبي زيد : على دينه ، وعن مقاتل : على جبلته ، وعن الفراء : على طريقته التي جبل عليها ، وعن أبي عبيدة والقتبي على خليقته وطبيعته ، قوله : وهي من شكلته أي الشاكلة مشتقة من شكلته إذا قيدته ، ويروى من شكلته بالفتح بمعنى المثل ، وبالكسر بمعنى الدن . صرفنا وجهنا .
أشار به إلى قوله تعالى : وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ وفسره بقوله : وجهنا ، وكذا فسره أبو عبيدة ، ويقال : أي وبينا من الأمثال وغيرها مما يوجب الاعتبار به . قبيلا معاينة ، ومقابلة ، وقيل : القابلة لأنها مقابلتها تقبل ولدها . أشار به إلى قوله تعالى : أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلا وفسره بقوله : معاينة ومقابلة ، قوله : وقيل : القابلة أراد أنه قيل للمرأة التي تتلقى الولد عند الولادة قابلة لأنها مقابلتها أي مقابلة المرأة التي تولدها ، قوله : تقبل ولدها أي تتلقاه عند الولادة ، يقال : قبلت القابلة المرأة تقبلها قبالة بالكسر أي تلقته عند الولادة ، وقال ابن التين : ضبطه بعضهم بتقبل ولدها بضم الموحدة ، وليس ببين ، قلت : تقبل بالفتح هو البين لأنه من باب علم يعلم ، وقد يظن أن تقبل ولدها من التقبيل وليس بظاهر .
خشية الإنفاق أنفق الرجل أملق ، ونفق الشيء ذهب . أشار به إلى قوله تعالى : إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنْفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا وفسر الإنفاق بالإملاق ، وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال : خشية الإنفاق أي خشية أن تنفقوا فتفتقروا ، قوله : ونفق الشيء ذهب بفتح الفاء ، وقيل بكسرها ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وأشار به أيضا إلى الفرق بين الثلاثي والمزيد فيه من حيث المعنى ، وفي هذه السورة أيضا قوله : وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ الآية الإملاق الفقر ، وقد خبط بعضهم هنا خباطا لا ينجلي ، وقد طويت ذكره . قتورا مقترا .
أشار به إلى قوله تعالى : وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُورًا وقال : إن قتورا الذي على وزن فعول بمعنى مقترا على وزن اسم الفاعل من الإقتار ، ومعناه بخيلا ممسكا ، يقال : قتر يقتر قترا ، وأقتر إقتارا إذا قصر في الإنفاق . للأذقان مجمع اللحيين والواحد ذقن . أشار به إلى قوله تعالى : يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا وقال : الأذقان مجمع اللحيين بفتح اللام ، وقيل : بكسرها أيضا تثنية لحي ، وهو العظم الذي عليه الأسنان ، قوله : والواحد ذقن بفتح الذال المعجمة والقاف واللام فيه بمعنى على ، والمعنى : يسجدون على أذقانهم ، وقال ابن عباس : الوجوه ، يريد يسجدون بوجوههم وجباههم وأذقانهم .
وقال مجاهد : موفورا وافرا . أشار به إلى قوله تعالى : فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا وفسر مجاهد موفورا بقوله : وافرا ، وكذا روى الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه ، والحاصل أن المفعول هنا بمعنى الفاعل عكس عيشة راضية . تبيعا ثائرا .
أشار به إلى قوله تعالى : ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا وفسر تبيعا بقوله : ثائرا أي طالبا للثأر ، ومنتقما ، ويقال لكل طالب بثأر : تبيع وتابع ، وهذا أيضا تفسير مجاهد ، وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه . وقال ابن عباس : نصيرا . أي ابن عباس فسر تبيعا بقوله : نصيرا ، وكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه .
خبت طفئت . أشار به إلى قوله تعالى : كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا وفسر خَبَتْ بقوله : طفئت ، يقال : خبت النار تخبو خبوا إذا سكن لهبها ، وأصل خبت خبيت ، قلبت الياء ألفا لتحركها ، وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين ، فصار خبت على وزن فعت . وقال ابن عباس : لا تبذر لا تنفق في الباطل .
أي قال ابن عباس في قوله تعالى : وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا أي لا تنفق في الباطل ، وكذا رواه الطبري من طريق عطاء الخراساني ، عن ابن عباس ، ويقال : التبذير إنفاق المال فيما لا ينبغي ، والإسراف هو الصرف فيما ينبغي زائدا على ما ينبغي . ابتغاء رحمة : رزق . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ وفسر الرحمة بالرزق ، وكذا رواه الطبري من طريق عطاء عن ابن عباس .
مثبورا ملعونا . أشار به إلى قوله تعالى : وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا وفسره بقوله : ملعونا ، وكذا رواه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، وقال أبو عبيدة : المعروف في الثبور الهلاك والملعون هالك ، وعن العوفي : معناه مغلوبا ، وعن مجاهد : هالكا ، وعن قتادة : مهلكا ، وعن عطية : مغيرا مبدلا ، وعن ابن زيد بن أسلم : مخبولا لا عقل له . لا تقف لا تقل .
أشار به إلى قوله تعالى : وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ وفسر لا تقف بقوله : لا تقل أي في شيء بما لا تعلم ، وعن قتادة : لا تقل رأيت ولم تره ، وسمعت ولم تسمعه ، وعلمت ولم تعلمه ، وهذه رواية عن ابن عباس ، وعن مجاهد : ولا ترم أحدا بما ليس لك به علم ، وهي رواية أيضا عن ابن عباس ، وقال القتبي : هو مأخوذ من القفا كأنه يقفو الأمور أي يكون في قفائها يتعقبها ويتتبعها ويتعرفها ، يقال : قفوت أثره على وزن دعوت ، والنهي في لا تقف مثل لا تدع ، وبهذا استدل أبو حنيفة على ترك العمل بالقائف ، وما ورد من ذلك من أخبار الآحاد فلا يعارض النص . فجاسوا تيمموا . أشار به إلى قوله تعالى : فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولا وفسر جاسوا بقوله : تيمموا أي قصدوا وسط الدار ، وجاسوا من الجوس ، وهو طلب الشيء باستقصاء ، وقال ابن عرفة : معناه عاثوا ، وأفسدوا .
يزجي الفلك يجري الفلك . أشار به إلى قوله تعالى : رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ وفسر يزجي من الإزجاء بالزاي بقوله : يجري من الإجراء بالراء المهملة ، ويقال معناه : يسوق الفلك ويسيره حالا بعد حال ، ويقال : أزجيت الإبل سقتها ، والريح تزجي السحاب ، والبقرة تزجي ولدها ، وروى الطبري من طريق سعيد عن قتادة : يزجي الفلك أي يسيرها في البحر والله أعلم .