( سورة الزمر ) شرح أي هذا في تفسير بعض سورة الزمر ، قال ابن عباس : هي مكية إلا آيتان مدنيتان : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا ﴾ نزلت في وحشي حرب ، ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وقال السخاوي : نزلت بعد سورة سبأ وقبل سورة المؤمن ، وهي أربعة آلاف وسبعمائة وثمانية أحرف ، وألف ومائة واثنان وسبعون كلمة ، وخمس وسبعون آية . ( بسم الله الرحمن الرحيم ) شرح لم تثبت البسملة إلا لأبي ذر . ( وقال مجاهد : أفمن يتقى بوجهه ، يجر على وجهه في النار ، وهو قوله تعالى : أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة ) .
شرح أي قال مجاهد في قوله تعالى ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ الآية ، قوله : " ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي ﴾ " يقال : اتقاه بدرقته استقبله بها فوقى بها نفسه ، واتقاه بيده وتقديره : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن العذاب ، فحذف الخبر ، وسوء العذاب شدته ، وعن مجاهد يجر على وجهه في النار ، وأشار البخاري إلى هذا بقوله : يجر على وجهه في النار ، وأشار بقوله : وهو قوله أفمن يلقى في النار إلى آخره ، إلى أن قوله : أفمن يتقي بوجهه يجر على وجهه في النار مثل قوله " ﴿ أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ ﴾ " إلى آخره ، ووجه التشبيه بيان حاله في أن ثم محذوفا ، تقديره : أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن أمن العذاب كما ذكرناه الآن ، ولفظ يجر بالجيم عند الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي وحده بالخاء المعجمة . ( غير ذي عوج لبس ) . شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ وفسر العوج باللبس وهو الالتباس ، وهذا التفسير باللازم لأن الذي فيه لبس يستلزم العوج في المعنى ، وأخرج ابن مردويه من وجهين ضعيفين عن ابن عباس في قوله : " ﴿ غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ " قال : ليس بمخلوق .
( ورجلا سلما لرجل صالحا مثل لإلههم الباطل والإله الحق ) . شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلا ﴾ ، قوله : " ورجلا " عطف على رجلا الأول ، وهو منصوب بنزع الخافض ، أي ضرب الله مثلا لرجل أو فى رجل ، قوله : " سلما " بكسر السين ، وهو قراءة العامة ، وهو الذي لا تنازع فيه ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب : سالما ، وهو الخالص ضد الشرك ، قوله : " صالحا " ، وفي رواية الكشميهني : " خالصا " ، وسقطت هذه اللفظة للنسفي ، قوله : " مثل " خبر مبتدأ محذوف أي هذا مثل لإلههم الباطل والإله الحق ، والمعنى : هل تستوى صفاتهما وتمييزهما ، وقال الثعلبي : هذا مثل ضربه الله للكافر الذي يعبد آلهة شتى ، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله - عز وجل - ، قوله : " متشاكسون " مختلفون متنازعون متشاحون سيئة أخلاقهم . ( ويخوفونك بالذين من دونه ، بالأوثان ) .
شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ أي يخوفك المشركون بمضرة الأوثان ، قالوا : إنك تعيب آلهتنا وتذكرها بسوء ، لتكفن عن ذكرها أو تصيبك بسوء ، قوله : " الأوثان " ويروى أي بالأوثان ، وهذا أولى . ( خولنا أعطينا ) . شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ﴾ وفسره بقوله : أعطينا ، وقال أبو عبيدة : كل مال أعطيته فقد خولته .
( والذي جاء بالصدق ، القرآن ، وصدق به ، المؤمن يجيء يوم القيامة يقول : هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه ) . شرح أشار به إلى قوله - عز وجل - : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ وفسر قوله : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ ﴾ بقوله : ج١٩ / ص١٤٢ القرآن ، وقال السدي : الذي جاء بالصدق : جبريل - عليه السلام - جاء بالقرآن وصدق به ، يعني محمدا - صلى الله تعالى عليه وسلم - تلقاه بالقبول ، وقال ابن عباس : والذي جاء بالصدق ، يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء بلا إله إلا الله ، وصدق به هو أيضا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بلغه إلى الخلق ، وعن علي ابن أبي طالب ، وأبي العالية ، والكلبي : والذي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصدق به : أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - ، وعن قتادة ومقاتل : والذي جاء بالصدق رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وصدق به : المؤمنون ، وعن عطاء : والذي جاء بالصدق الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وصدق به الأتباع ، فعلى هذا يكون الذي بمعنى الذين ، كما في قوله تعالى : ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾ قوله : " يقول هذا " الذي إلى آخره في رواية النسفي لا غير . ( متشاكسون ، الرجل الشكس : العسر ، لا يرضى بالإنصاف ) .
شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ رَجُلا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ﴾ أي مختلفون ، فقد ذكرناه الآن ، قوله : " الشكس " أشار به إلى أنه من مادة متشاكسون غير أن المذكور في القرآن من باب التفاعل للمشاركة بين القوم ، والشكس مفرد صفة مشبهة ، قال في ( الباهر ) : رجل شكس بالفتح والتسكين صعب الخلق ، وقوم شكس بالضم مثال رجل صدق وقوم صدق ، وقيل : الشكس بالكسر والإسكان ، والشكس بالفتح وكسر الكاف : السيء الخلق ، يقال : شكس شكسا وشكاسة ، وفسر البخاري الشكس بقوله : العسر لا يرضى بالإنصاف ، والعسر مثل الحذر صفة مشبهة ، ويروى العسير على وزن فعيل ، وفي بعض النسخ : وقال غيره : الشكس ، قال صاحب ( التلويح ) يعني غير مجاهد : فكأنه - والله أعلم - يريد بالغير عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، فإن الطبري رواه عن يونس عن ابن وهب عنه . ( ورجلا سلما ، ويقال : سالما صالحا ) . شرح ليس هذا بمذكور في غالب من النسخ ؛ لأنه كالمكرر ؛ لأنه ذكر عن قريب ، ولكن يمكن أن يقال : إنه أشار به إلى أن سين سلما جاء فيها الفتح والكسر ، فيكون أحدهما إشارة إلى الكسر والآخر إلى الفتح ، وقال الزجاج : سلما وسلما مصدران وصف بهما على معنى ورجلا ذا سلم .
( اشمأزت : نفرت ) . شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ ﴾ الآية ، وفسره بقوله : نفرت ، وكذا رواه الطبراني عن محمد : حدثنا أحمد حدثنا أسباط عن السدي وعن مجاهد قال : انقبضت ، وعن قتادة : أي كفرت قلوبهم واستكبرت . ( بمفازتهم من الفوز ) .
شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أي فوزهم ، وهو مصدر ميمي ، قرأ أهل الكوفة إلا حفصا بالألف على الجمع ، والباقون بغير الألف على الواحد . ( حافين مطيفين بحفافيه بجوانبه ) . شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ﴾ وفسر حافين بقوله : مطيفين ، من الإطافة وهو الدوران حول الشيء ، قوله : بحفافيه ، بكسر الحاء المهملة وبالفاء المخففة وبعد الألف فاء أخرى تثنية حفاف ، وهو الجانب ، وفي رواية المستملي : بجانبيه ، وفي رواية كريمة والأصيلي : بجوانبه ، أشار إليه بقوله : بجوانبه ، وأشار إلى أن معنى متشابها وهو أيضا مثل التفسير لما قبله ، وفي رواية النسفي بحافته .
( متشابها ليس من الاشتباه ولكن يشبه بعضه بعضا في التصديق ) . شرح أشار به إلى قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ نَـزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ﴾ وأشار إلى أن معنى متشابها ليس من الاشتباه الذي بمعنى الالتباس والاختلاط ، ولكن معناه أنه يشبه بعضه بعضا في التصديق لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وقيل : في تصديق الرسول - صلى الله تعالى عليه وسلم - في رسالته بسبب إعجازه ، وكذا رواه ابن جرير عن ابن حميد ، عن جرير ، عن يعقوب ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير .