باب والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي
ج١٩ / ص١٦٩( باب والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين ) أي هذا باب في قوله - عز وجل - والذي قال إلى آخره ، إنما ساق الآية إلى آخرها غير أبي ذر ، وفي رواية أبي ذر : وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ إلى قوله : أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ وليس في بعض النسخ : لفظ باب . قوله : " وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ " إلى آخره ، قيل : نزلت في عبد الله ، وقيل : في عبد الرحمن ابن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنهما - قبل إسلامه ، وكان أبواه يدعوانه للإسلام ، وهو يأبى ويسيء القول ، ويخبرانه بالموت والبعث ، وقد روي عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنها كانت تنكر نزولها في عبد الرحمن ، وقال الزجاج : من قال : إنها نزلت فيه فباطل ، والتفسير الصحيح : أنها نزلت في الكافر العاق لوالديه ، ذكره الواحدي وابن الجوزي . قوله : " أف " كلمة كراهة يقصد به إظهار السخط وقبح الرد ، وقرأ الجمهور بكسر الفاء لكن نونها نافع وحفص عن عاصم ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وابن محيصين ، وهي رواية عن عاصم بفتح الفاء بغير تنوين ، قوله : " أَتَعِدَانِنِي " قراءة العامة بنونين مخففتين ، وروى هشام عن أهل الشام بنون واحدة مشددة ، قوله : " أَنْ أُخْرَجَ " أي من قبري حيا بعد فنائي وبلائي وقد خلت مضت القرون من قبلي ، ولم يبعث منهم أحد ، وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ يستصرخان الله ، ويستغيثانه عليه ، ويقولان : الغياث بالله منك ومن قولك ، ويقولان له : ويلك آمن ، أي صدق بالبعث ، فيقول هو : ما هذا إلا أساطير الأولين ، والأساطير جمع أسطار ، وهو جمع سطر ، والسطر : الخط والكتابة ، وقال الجوهري : الأساطير الأباطيل ، وهو جمع أسطورة بالضم ، وإسطارة بالكسر .
323 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن يوسف بن ماهك ، قال : كان مروان على الحجاز استعمله معاوية ، فخطب ، فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه ، فقال له عبد الرحمن ابن أبي بكر شيئا ، فقال : خذوه ، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا عليه ، فقال مروان : إن هذا الذي أنزل الله فيه : والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني ، فقالت عائشة من وراء الحجاب : ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو عوانة اسمه الوضاح ، وأبو بشر بكسر الباء الموحدة جعفر ابن أبي وحشية إياس ، ويوسف بن ماهك منصرف وغير منصرف ، وهو معرب ، ومعناه قمير مصغر القمر . قوله : " كان مروان على الحجاز " أي أميرا على المدينة من قبل معاوية ، قوله : " فجعل يذكر يزيد بن معاوية " إلى آخره قد أوضحه الإسماعيلي في روايته بلفظ : أراد معاوية أن يستخلف يزيد ، فكتب إلى مروان - وكان على المدينة - فجمع الناس فخطبهم ، وقال : إن أمير المؤمنين قد رأى رأيا حسنا في يزيد ، ودعا إلى بيعة يزيد ، فقال عبد الرحمن : ما هي إلا هرقلية ، إن أبا بكر - والله - لم يجعلها في أحد من ولده ولا من أهل بلده ، ولا من أهل بيته ، فقال مروان : ألست الذي قال الله فيه : وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا ، قال : فسمعتها عائشة ، فقالت : يا مروان أنت القائل لعبد الرحمن كذا وكذا ، والله ما أنزلت إلا في فلان بن فلان الفلاني ، وفي لفظ : والله لو شئت أن أسميه لسميته ، ولكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعن أبا مروان ، ومروان في صلبه ، فمروان فضض ، أي قطعة من لعنة الله - عز وجل - ، فنزل مروان مسرعا حتى أتى باب عائشة - رضي الله تعالى عنها - فجعل يكلمها وتكلمه ، ثم انصرف ، وفي لفظ : فقالت عائشة : كذب والله ما نزلت فيه .
قوله : " فقال له عبد الرحمن ابن أبي بكر شيئا " ولم يبين ما هذا الشيء الذي قاله عبد الرحمن لمروان ، وأوضح ذلك الإسماعيلي في روايته : فقال عبد الرحمن : ما هي إلا هرقلية ، وله من طريق شعبة عن محمد بن زياد فقال مروان : سنة أبي بكر وعمر ، فقال عبد الرحمن : سنة هرقل وقيصر ، قوله : " فقال : خذوه " أي فقال مروان لأعوانه : خذوا عبد الرحمن ، قوله : " فدخل " أي عبد الرحمن بيت عائشة - رضي الله تعالى عنها - ملتجأ بها ، قوله : " فلم يقدروا " أي لم يقدروا على إخراجه من بيت عائشة إعظاما لعائشة امتنعوا ج١٩ / ص١٧٠من الدخول في بيتها . قوله : " فقال مروان " إن هذا الذي - أراد به عبد الرحمن - أنزل الله فيه ، أي في حقه : والذي قال لوالدين أف لكما أتعدانني ، فأجابت عائشة بقولها : ما أنزل الله فينا شيئا إلى آخره . قوله : " إن الله أنزل عذري " أرادت بها الآيات التي نزلت في براءة ساحة عائشة - رضي الله تعالى عنها - ، وهي : إن الذين جاءوا بالإفك ، إلى آخره ، قوله : " فينا " أرادت به بني أبي بكر ؛ لأن أبا بكر - رضي الله تعالى عنه - نزل فيه ثاني اثنين ، وقوله : محمد رسول الله والذين معه ، وقوله : والسابقون الأولون ، وفي آي كثيرة .