حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة

حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب ابنة أم سلمة ، عن أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عندها وفي البيت مخنث ، فقال المخنث لأخي أم سلمة عبد لله بن أبي أمية : إن فتح الله لكم الطائف غدا أدلك على ابنة غيلان ، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان ! فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يدخلن هذا عليكم ! . مطابقته للترجمة في آخر الحديث . وعثمان بن أبي شيبة أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، واسم أبي شيبة إبراهيم بن عثمان .

وعثمان - شيخ البخاري - هو محمد بن أبي شيبة ، واسم أخيه أبي بكر عبد الله ، وكلاهما من شيوخ البخاري ومسلم . وعبدة - ضد الحرة - ابن سليمان ، وزينب بنت أم سلمة هند بنت أبي أمية ، وزينب ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولدت بأرض الحبشة وكان اسمها برة فسماها النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - زينب وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد . والحديث مضى في المغازي في باب غزوة الطائف ؛ فإنه أخرجه هناك عن الحميدي عن سفيان عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة - إلخ ، ومضى الكلام فيه هناك .

قوله ( حدثنا عثمان ) ، ويروى حدثني . قوله ( عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة ) ، وفي رواية سفيان عن هشام بن عروة في غزوة الطائف عن أمها أم سلمة ، وروى حماد بن سلمة عن هشام فقال : عن أبيه عن عمرو بن أبي سلمة . وقال معمر : عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة .

ورواه معمر أيضا عن الزهري عن عروة ، وأرسله مالك فلم يذكر فوق عروة أحدا - أخرجه النسائي . قوله ( وفي البيت ) ؛ أي البيت الذي هي فيه . قوله ( مخنث ) بفتح النون وكسرها ، وهو الذي يشبه النساء في أخلاقهن ، وهو على نوعين : مَنْ خُلِقَ كذلك فلا ذم عليه لأنه معذور ، ولهذا لم ينكر النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أولا دخوله عليهن ، ومَنْ يتكلف ذلك وهو المذموم .

واسم هذا المخنث هيت ؛ بكسر الهاء وسكون الياء آخر الحروف وبالتاء المثناة من فوق على الأصح ، وذكر ابن إسحاق في المغازي أن اسم المخنث في حديث الباب ماتع ؛ بالتاء المثناة من فوق ، وقيل بالنون . وحكى أبو موسى المديني في كون ماتع لقب هيت أو بالعكس ، أو أنهما اثنان خلافا ، وجزم الواقدي بالتعدد فإنه قال : كان هيت مولى عبد الله بن أبي أمية ، وكان ماتع مولى فاختة ، وذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفاهما إلى الحمى . وذكر الماوردي في الصحابة من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن حفص أن عائشة قالت لمخنث كان بالمدينة يقال له أَنَّه - بفتح الهمزة وتشديد النون : ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر ! قال : بلى ؛ فوصف امرأة تقبل بأربع وتدبر بثمان ، فسمعه النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقال : يا أَنَّه ، اخرج من المدينة إلى حمراء الأسد ، وليكن بها منزلك .

وقال ابن حبيب : المخنث هو المؤنث من الرجال وإن لم يعرف منه فاحشة ، مأخوذة من التكسر في الشيء وغيره . وأخرج أبو داود من حديث أبي هريرة أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه ، فقيل : يا رسول الله ، إن هذا يتشبه بالنساء ! فنفاه إلى النقيع - بالنون ثم القاف . قوله ( فقال المخنث لأخي أم سلمة ) ، وقد وقع في مرسل ابن المنكدر أنه قال ذلك لعبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما ، فيحمل على تعدد القول لكل منهما ؛ لأخي عائشة ولأخي أم سلمة .

والعجب أنه لم يقدر أن المرأة الموصوفة حصلت لواحد منهما ؛ لأن الطائف لم يفتح حينئذ ، وقتل عبد الله بن أبي أمية في حال الحصار . قلت : عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم أخو أم سلمة زوج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وأمه عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم ، وكان شديدا على المسلمين مخالفا مبغضا ، وهو الذي قال : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ الآية ، وكان شديد العداوة لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ثم إنه خرج مهاجرا إلى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - فلقيه بالطريق بين السقيا والعرج وهو يريد مكة عام الفتح ، فتلقاه فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرة بعد مرة ، فدخل إلى أخته وسألها أن تشفع فشفعت له أخته أم سلمة - وهي أخته لأبيه - فشفعها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيه ، وأسلم وحسن إسلامه وشهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتح مكة مسلما ، وشهد حنينا والطائف ، ورُمي يوم الطائف بسهم فقتله ومات يومئذ . وقال أبو عمر بن عبد البر : وزعم مسلم بن الحجاج أن عروة بن الزبير روى عنه أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في بيت أم سلمة في ثوب واحد ملتحفا به مخالفا بين طرفيه ، وذلك غلط ؛ وإنما الذي روى عنه عروة بن عبد الله بن أبي أمية .

قوله ( إن فتح الله لكم الطائف غدا ) ، ووقع في رواية أبي أسامة عن هشام في أوله وهو محاصر الطائف يومئذ . قوله ( فعليك ) كلمة إغراء معناه احرص على تحصيلها والزمها . قوله ( على ابنة غيلان ) ، وفي رواية حماد بن سلمة لو قد فتحت لكم الطائف لقد أريتك بادية بنت غيلان وهي بالباء الموحدة وكسر الدال المهملة وتخفيف الياء آخر الحروف - ضد الحاضرة ، وعليه الجمهور ، وقيل بالنون موضع الباء الموحدة .

وغيلان - بفتح الغين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف - ابن مسلمة بن معتب - بفتح العين المهملة وتشديد التاء المثناة من فوق وفي آخره باء موحدة - ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن قسي ، وهو ثقيف ، وأمه سبيعة بنت عبد شمس ، أسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجر ، وكان أحد وجوه ثقيف ومقدميهم ، وكان شاعرا محسنا ، وتوفي في آخر خلافة عمر رضي الله تعالى عنه ، وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يختار أربعا . قوله ( تقبل بأربع وتدبر بثمان ) ؛ أي أن لها أربع عكن لسمنها تقبل بهن ، من كل ناحية ثنتان ولكل واحدة طرفان ، فإذا أدبرت صارت الأطرف ثمانية ؛ أي السمينة لها في بطنها عكن أربع وترى من ورائها لكل عكنة طرفان . قلت : العكنة - بالضم - الطي الذي في البطن من السمن .

وقال ابن حبيب عن مالك في معنى قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان : إن أعكانها ينعطف بعضها على بعض ، وهي في بطنها أربع طرائق ، وتبلغ أطرافها إلى خاصرتها في كل جانب أربع ، ولإرادة العكن ذكر الأربع والثمان ، وإلا فلو أراد الأطراف لقال ثمانية . قوله ( لا يدخلن هذا عليكم ) ، وفي رواية الكشميهني عليكن وهي رواية مسلم ، وقال المهلب : إنما حجبه عن الدخول إلى النساء لما سمعه يصف المرأة بهذه الصفة التي تهيج قلوب الرجال ، فمنعه لئلا يصف الأزواج للناس فيسقط معنى الحجاب ، انتهى . ويقال : إنما كان يدخل عليهن لأنهن يعتقدنه من غير أولي الإربة ، فلما وصف هذا الوصف دل على أنه من أولي الإربة فاستحق المنع لدفع فساده ، وغير أولي الإربة هو الأبله العنين الذي لا يفطن بمحاسن النساء ولا إرب له فيهن ، والإرب - بالكسر - الحاجة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث