باب المتعة للتي لم يفرض لها
( باب المتعة للتي لم يفرض لها ) أي هذا باب في بيان حكم المتعة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يسم لها صداقا . واختلف في المتعة ، فقالت طائفة : هي واجبة للمطلقة التي لم يدخل بها ولم يسم لها صداقا ، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر ، وهو قول عطاء والشعبي والنخعي ج٢١ / ص١١والزهري ، وبه قال الكوفيون ، ولا يجمع مهر مع المتعة . وقال ابن عبد البر : وبه قال شريح وعبد الله بن مغفل أيضا ، وقالت الحنفية : فإن دخل بها ثم طلقها فإنه يمتعها ، ولا يجبر عليه هنا ، وهو قول الثوري وابن حي والأوزاعي إلا أن الأوزاعي قال : فإن كان أحد الزوجين مملوكا لم تجب ، وقال أبو عمر : وقد روي عن الشافعي مثل قول أبي حنيفة ، وقالت طائفة : لكل مطلقة متعة مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها إذا وقع الفراق من قبله ولم يتم إلا به ، إلا التي سمى لها وطلقها قبل الدخول ، وهو قول الشافعي وأبي ثور ، وروي عن علي - رضي الله تعالى عنه - : لكل مطلقة متعة .
ومثله عن الحسن وسعيد بن جبير وأبي قلابة ، وقالت طائفة : المتعة ليست بواجبة في موضع من المواضع ، وهو قول ابن أبي ليلى ، وربيعة ، ومالك ، والليث ، وابن أبي أسامة . لقوله تعالى : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً إلى قوله : إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ استدل البخاري بهذه الآية على وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقا ، وهو قول سعيد بن جبير وغيره ، واختاره ابن جرير ، وتمام الآية : مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ . قوله : " وَمَتِّعُوهُنَّ " أمر بإمتاعها وهو تعويضها عما فاتها بشيء تعطاه من زوجها بحسب حاله على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ، والموسع الذي له سعة ، والمقتر الضيق الحال .
قوله : " قدره " أي مقداره الذي يطيقه ، وهذه الآية نزلت في رجل من الأنصار تزوج بامرأة من بني حنيفة ولم يسم لها مهرا ، ثم طلقها قبل الدخول ، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - : متعها ولو بقلنسوة . وقال أصحابنا : لا تجب المتعة إلا لهذه وحدها ، وتستحب لسائر المطلقات . قوله : " متاعا " تأكيد لقوله : " ومتعوهن " بمعنى تمتيعا بالمعروف الذي يحسن في الشرع والمروءة .
قوله : " حقا " صفة لـ"متاعا" ، أي : متاعا واجبا عليهم ، أو حق ذلك حقا على المحسنين الذين يحسنون إلى المطلقات بالتمتع . وقوله : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي ولقوله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقَاتِ الآية ، واستدل البخاري أيضا بعموم هذه الآية في وجوب المتعة لكل مطلقة مطلقا ، وقال الزمخشري : عم المطلقات بإيجاب المتعة لهن بعدما أوجبها لواحدة منهن ، وهي المطلقة غير المدخول بها ، وقال : " حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ " كما قال ثمة : حقا على المحسنين ، والذي فصل يقول : إن هذه منسوخة بتلك الآية ، وهي قوله تعالى : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ الآية ، فإن قلت : كيف نسخت الآية المتقدمة المتأخرة ؟ قلت : قد تكون الآية متقدمة في التلاوة وهي متأخرة في التنزيل ، كقوله : سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ ، مع قوله : قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ . وقال أبو عمر : لم يختلف العلماء أن المتعة المذكورة في الكتاب العزيز غير مقدرة ، ولا محدودة ، ولا معلوم مبلغها ، ولا موجب قدرها ، فروي عن مالك أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأة له فمتعها بوليدة ، وكان ابن سيرين يمتع بالخادم أو النفقة أو الكسوة ، ويمتع الحسن بن علي زوجته بعشرة آلاف ، فقالت : متاع قليل من حبيب مفارق ، ويمتع شريح بخمسمائة درهم ، والأسود بن يزيد بثلاثمائة ، وعروة بخادم ، وقال قتادة : المتعة جلباب ودرع وخمار .
وإليه ذهب أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وقال : هذا لكل حرة أو أمة أو كتابية إذا وقع الطلاق من جهته . وعن ابن عمر : ثلاثون درهما ، وفي رواية : إنه يمتع بوليدة . ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الملاعنة متعة حين طلقها زوجها هذا من كلام البخاري ، أراد أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر في الأحاديث التي رويت عنه في اللعان متعة ، وكأنه تمسك بهذا أن الملاعنة لا متعة لها ، وقال الكرماني : المفهوم من كلام البخاري أن لكل مطلقة متعة والملاعنة غير داخلة في جملة المطلقات ، ثم قال : لفظ طلقها صريح في أنها مطلقة ، ثم أجاب بأن الفراق حاصل بنفس اللعان ، حيث قال : فلا سبيل لك عليها .
وتطليقه لم يكن بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، بل كان كلاما زائدا صدر منه تأكيدا . ج٢١ / ص١٢85 - ( حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عمر ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : للمتلاعنين : "حسابكما على الله ، أحدكما كاذب ، لا سبيل لك عليها ، قال : يا رسول الله ، ما لي ؟ قال : لا مال لك ، إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد وأبعد لك منها . ذكر هذا الحديث الذي مضى عن قريب في باب صداق الملاعنة تأكيدا لما قاله ، ولم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الملاعنة متعة ؛ لأنه ليس فيه تعرض للمتعة ، وعمرو هو ابن دينار .
قوله : " فذاك أبعد " لا بد فيه من بعد وزيادة ؛ لأن أفعل التفضيل يقتضي ذلك ، فالبعد هو طلب استيفاء ما يقابله وهو الوطء ، والزيادة هي ضم إيذائها بالقذف الموجب للانتقام منه لا للإنعام إليه ، والتكرار لأنه أسقط الحد الموجب لتشفي المقذوف عن نفسه باللعان ، والله أعلم .