حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لحوم الحمر الإنسية

حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال عمرو : قلت لجابر بن زيد : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية ، فقال : قد كان يقول ذاك الحكم ابن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة ، ولكن أبى ذاك البحر ابن عباس ، وقرأ قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعلي بن عبيد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعمرو هو ابن دينار ، وجابر بن زيد هو أبو الشعثاء البصري ، والحكم بن عمرو الغفاري بكسر الغين المعجمة ، وتخفيف الفاء الصحابي ، وقال الكرماني : نزل البصرة ومات بمرو سنة خمس وأربعين ، وقال أبو عمر : بعثه زياد بن أمية على البصرة واليافي أول ولاية زياد على العراقين ، ثم عزله عن البصرة ، وولاه بعض أعمال خراسان ، ومات بها ، وقيل : مات بالبصرة سنة خمسين . والحديث رواه أبو داود في الأطعمة ، عن إبراهيم بن الحسن ، عن حجاج ، عن ابن جريج ، عن عمرو بن دينار بمعناه . قوله ( يقول ذاك ) أشار به إلى قوله ( نهى عن الحمر الأهلية ) .

قوله ( ولكن أبى ) أي منع ذلك القول . قوله ( البحر ) صفة لابن عباس ، سمي به لسعة علمه ، ويراد به بحر العلم ، وقال بعضهم : هو من تقديم الصفة على الموصوف مبالغة في تعظيم الموصوف . قلت : لا تتقدم الصفة على الموصوف ، بل قوله ( ابن عباس ) عطف بيان لقوله ( البحر ) ، ويروى الحبر ، سمي به لأنه كان يزين ما قاله .

قوله ( وقرأ ) أي ابن عباس . قوله تعالى : قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا الآية . يعني أنه استدل بهذه الآية ؛ لأن المحرم في هذه الآية ما ذكره الله فيها ، فتقتصر الحرمة عليها ، وما وراء ذلك فعلى أصل الإباحة .

وفقهاء الأمصار مجمعون على تحريم الحمر الأهلية إلا أنه روي عن ابن عباس أنه أباح أكلها ، وروي مثله عن عائشة ، والشعبي . فإن قلت : قد ذكر في أول المائدة تحريم المنخنقة والموقوذة ، وما ذكر معهما ، وهي خارجة عن هذه الآية . قلت : المنخنقة وما ذكر معها داخلة في الميتة ، أو نقول : إن سورة الأنعام مكية ، فيجوز أن لا يكون حرم في ذلك الوقت إلا ما ذكر في هذه الآية ، وسورة المائدة مدنية ، وهي آخر ما نزل من القرآن .

فإن قلت : الأحاديث التي وردت في تحريم لحوم الحمر الأهلية أخبار آحاد ، والعمل بها يوجب نسخ الآية المذكورة ، وهذا لا يجوز . قلت : قد خصت من هذه الآية أشياء كثيرة بالتحريم غير مذكورة فيها كالنجاسات ، والخمر ، ولحم القردة ، فحينئذ يجوز تخصيصها بأخبار الآحاد . وقال ابن العربي : اختلف في تحريم الحمر الأهلية على أربعة أقوال : الأول : حرمت شرعا .

الثاني : حرمت لأنها كانت جوال القرى ، أي تأكل الجلة ، وهي النجاسة . والثالث : أنها كانت حمولة القوم . الرابع : أنها حرمت لأنها أفنيت قبل القسمة ، فمنع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن أكلها حتى تقسم .

قلت : ذكر الطحاوي هذه الأقوال ، فأخرج في القول الأول عن اثني عشر نفرا من الصحابة في تحريم أكل الحمر الأهلية من غير قيد ، وقد ذكرناهم في شرحنا لمعاني الآثار ، وأخرج في القول الثاني عن ابن مرزوق ، عن وهب ، عن شعبة ، عن الشيباني قال : ذكرت لسعيد بن جبير حديث ابن أبي أوفى في أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إياهم بإكفاء القدور يوم خيبر ، فقال : إنما نهى عنها لأنها كانت تأكل العذرة . وأخرج في القول الثالث من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال : قال ابن عباس : ما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية إلا من أجل أنها ظهر . وأخرج في القول الرابع من حديث عدي بن ثابت عن البراء : أنهم أصابوا من الفيء حمرا فذبحوها ، ففيه : أنها كانت نهبة ولم تكن قسمت .

ثم أجاب عن الأقوال الثلاثة بحديث أبي ثعلبة أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، حدثني ما يحل لي مما يحرم علي ؟ فقال : لا تأكل الحمار الأهلي . رواه من حديث مسلم بن مشكم كاتب أبي الدرداء عنه ، ثم قال : فكان كلام النبي صلى الله عليه وسلم جوابا لسؤال أبي ثعلبة إياه عما يحل له مما يحرم عليه ، فدل ذلك على نهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الحمر الأهلية لا لعلة ، بل كان التحريم في نفسه مطلقا ، وقال بعضهم : قال الطحاوي : لولا تواتر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحريم الحمر الأهلية لكان النظر يقتضي حلها ؛ لأن كل ما حرم من الأهلي الحيوان أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا كالخنزير ، وقد أجمع على حل الحمار الوحشي ، فكان النظر يقتضي حل الحمار الأهلي ، ثم قال هذا القائل . قلت : وما ادعاه من الإجماع مردود ، فإن كثيرا من الحيوان الأهلى مختلف في نظيره من الحيوان الوحشي كالهر .

قلت : دعواه الرد عليه مردودة ؛ لأنه فهم عكس ما أراده الطحاوي لأن مراده : كل ما حرم من الحيوان الأهلي أجمع على تحريمه إذا كان وحشيا ، ومثل لذلك بالخنزير ، فإنه مجمع على حرمته من غير فرق بين كونه أهليا يعني مستأنسا أو وحشيا غير مستأنس ، وليس مراده أن كل ما أجمع على تحريمه من الوحشي يقتضي حله من الأهلي كالضيون فإنه مختلف فيه ، فلا يقتضي حل السنور الأهلي ، وقد روى الترمذي من حديث أبي الزبير ، عن جابر قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الهر وثمنه . وقال : هذا حديث غريب .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث