باب الضب
حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا عبد العزيز بن مسلم ، حدثنا عبد الله بن دينار قال : سمعت ابن عمر رضي الله عنهما يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : الضب لست آكله ولا أحرمه . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وبين الحديث الإبهام الذي في الترجمة ؛ لأن قوله ( ولا أحرمه ) يدل على الإباحة . وعبد العزيز بن مسلم بكسر اللام الخفيفة المروزي .
والحديث من أفراده ، وهذا الحديث صريح في الإباحة ، وعلل بالعيافة ، وهذا الضب جاء أنه أهدته خالة ابن عباس أم حفيدة ، وفي لفظ حفيدة بنت الحارث أخت ميمونة ، وكانت بنجد تحت رجل من بني جعفر ، وفي لفظ : كلوا فإنه حلال ، وفي لفظ : لا بأس به ، وفي لفظ : لا آكله ولا أنهى عنه ، وروى أبو داود عن ابن عباس قال : كنت في بيت ميمونة ، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم ومعه خالد ، فجاءوا بضبين مشويين ، فتبزق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له خالد : إخالك تقذره يا رسول الله ، قال : أجل . وروى مسلم من حديث أبي سعيد مرفوعا : إن الله غضب على سبط من بني إسرائيل ، فمسخهم دواب يدبون في الأرض ، فلا أدري لعل هذا منها ، فلست آكلها ولا أنهى عنها . قال أبو سعيد : فلما كان بعد ذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه : إن الله عز وجل لينفع به غير واحد ، وإنه لطعام عامة الرعاة ، ولو كان عندي لطعمته ، وإنما عافه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وفي هذا الباب أحاديث كثيرة بألفاظ مختلفة عن رجال شتى من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، لم يصحح أحد منهم عن النبي صلى الله عليه وسلم تحريمها ، وأكثر من روى أنه أمسك عن أكلها عيافة ، وقد وضع الطحاوي بابا للضباب ، فروى أولا حديث عبد الرحمن بن حسنة قال : نزلنا أرضا كثيرة الضباب ، فأصابتنا مجاعة فطبخنا منها ، وإن القدور لتغلي بها إذ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما هذا ؟ فقلنا : ضباب أصبناها ، فقال : إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض ، وإني أخشى أن تكون هذه . وإسناده لا بأس به ، وقال ابن حزم : حديث صحيح إلا أنه منسوخ بلا شك ، ثم قال الطحاوي : ذهب قوم إلى تحريم لحوم الضباب ، واحتجوا بهذا الحديث . قلت : أراد بالقوم هؤلاء الأعمش ، وزيد بن وهب ، وآخرين ، ثم قال : وخالفهم في ذلك آخرون ، فلم يروا بها بأسا .
قلت : أراد بالآخرين هؤلاء عبد الرحمن بن أبي ليلى ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، ومالكا ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وبه قالت الظاهرية ، ثم قال : وقد كره قوم أكل الضب منهم أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، ثم قال : الأصح عند أصحابنا أن الكراهة كراهة تنزيه لا كراهة تحريم لتظاهر الأحاديث الصحاح بأنه ليس بحرام .