باب الطيرة
حدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا عثمان بن عمر ، حدثنا يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا عدوى ولا طيرة ، والشؤم في ثلاث في المرأة والدار والدابة . مطابقته للترجمة في قوله : ولا طيرة . وعبد الله بن محمد الجعفي المسندي ، وعثمان بن عمر بن فارس البصري ، ويونس بن يزيد ، وسالم هو ابن عبد الله بن عمر .
والحديث أخرجه النسائي في عشرة النساء ، عن محمد بن المثنى . قوله : لا عدوى ، أي : لا تعدية للمرض من صاحبه إلى غيره ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله : ولا طيرة قد فسرناها الآن ، قال ابن العربي : اختلفوا في تأويل قوله : لا طيرة ، فمنهم من قال : معناه الإخبار عما يعتقده الجاهلية ، وقيل : معناه الإخبار عن حكم الله الثابت في الدار والمرأة والفرس بأن الشؤم فيها عادة ، أجراها الله تعالى وقضاه أنفذه يوجده حيث شاء منها متى شاء ، والأول ساقط ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبعث ليخبر عن الناس ما كانوا يعتقدونه ، وإنما بعث ليعلم الناس ما يلزمهم أن يعملوه ويعتقدوه ، وأصل الطيرة أنهم كانوا ينفرون الظباء والطيور ، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به ومضوا في حوائجهم ، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن ذلك وتشاءموا بها ، فأبطله الشرع وأخبر بأنه لا تأثير له في نفع أو ضرر ، ويقال : إنهم كانوا يعتمدون في الجاهلية على الطير ، فإذا كان لأحدهم أمر فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر ، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع ، وكانوا يسمونه السانح والبارح ، فالسانح بسين مهملة ثم نون مكسورة وبحاء مهملة ، وهو ما والاك ميامنة بأن يمر عن يسارك إلى يمينك ، والبارح بباء موحدة وراء مكسورة ثم حاء مهملة هو بعكس ذلك .
قوله : والشؤم في ثلاث ، أي : في ثلاثة أشياء ، هذا معارض في الظاهر لقوله : لا طيرة ، ودفع الخطابي هذه المعارضة حيث قال : هذا عام مخصوص ؛ إذ هو في معنى الاستثناء من الطيرة ، أي : الطيرة منهي عنها ، إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس كذلك ، فليفارقهن ، وقيل : شؤم الدار ضيقها وسوء جارها ، وشؤم المرأة سلاطة لسانها وعدم ولادتها ، وشؤم الفرس أن لا يغزى عليها ، وقال مالك : هو على ظاهره ، فإن الدار قد يجعل الله سكناها سببا للضرر ، وكذا المرأة المعينة أو الفرس قد يحصل الضرر عنده بقضاء الله تعالى ، وقال ابن الجوزي : قوله : الشؤم في ثلاث ، ولم يقل فيه إن ، وفي رواية أخرى : إن كان الشؤم في شيء ، وفي أخرى : إن كان في شيء ففي كذا وكذا ، فكيف يجمع بين هذه وبين قوله : لا طيرة ، الجواب أن عائشة - رضي الله عنها - قد غلظت على من روى هذا الحديث وقالت : إنما كان أهل الجاهلية يقولون : الطيرة في المرأة والدار والدابة ، قال : وهذا رد لصريح خبر رواته ثقات ، والصحيح أن المعنى : إن خيف من شيء أن يكون سببا لما يخاف شره ويتشاءم به فهذه الأشياء ، لا على السبيل الذي يظنها أهل الجاهلية من الطيرة والعدوى ، وقال الخطابي : لما كان الإنسان لا يستغني عن هذه الأشياء الدار والفرس والزوجة ، وكن لا يسلمن من عارض مكروه ، فأضيف إليها الشؤم إضافة محل ، وقال ابن التين : الشؤم مهموز ، ويسمى كل محذور ومكروه شؤما ومشأمة والشؤمى الجهة اليسرى .