باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها
حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض ، قيل : وما بركات الأرض ؟ قال : زهرة الدنيا ، فقال له رجل : هل يأتي الخير بالشر ؟ فصمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه ينزل عليه ، ثم جعل يمسح عن جبينه فقال : أين السائل ؟ قال : أنا ، قال أبو سعيد : لقد حمدناه حين طلع ذلك ، قال : لا يأتي الخير إلا بالخير ، إن هذا المال خضرة حلوة ، وإن كل ما أنبت الربيع يقتل حبطا أو يلم إلا آكلة الخضرة ، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس فاجترت وثلطت وبالت ، ثم عادت فأكلت ، وإن هذا المال حلوة ، من أخذه بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو ، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع . مطابقته للترجمة في قوله : زهرة الدنيا وإسماعيل هو ابن أبي أويس ، وأبو سعيد الخدري اسمه سعد بن مالك بن سنان ونسبته إلى خدر بطن من الأنصار . والحديث مضى في كتاب الزكاة في باب الصدقة على اليتامى ، فإنه أخرجه هناك عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، عن يحيى ، عن هلال بن أبي ميمونة ، عن عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري .
إلى آخره . قوله : إن أكثر ما أخاف عليكم وفي رواية الزكاة : إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم ، وفي رواية السرخسي : إني مما أخاف . قوله : ما يخرج بضم الياء من الإخراج وهو خبر إن ، قيل : هذا لا يصلح أن يكون خبرا للأكثر وأجيب بأن فيه إضمارا تقديره : ما أخاف بسببه عليكم أو مما يخرج .
قوله : زهرة الدنيا وفي كتاب الزكاة زاد هلال : وزينتها ، وهو عطف تفسيري ، والزهرة بفتح الزاي وسكون الهاء وقد قرئ في الشاذ عن الحسن وغيره بفتح الهاء فقيل : هما بمعنى واحد ، وقيل : بالتحريك جمع زاهر كفاجر وفجرة ، والمراد بالزهرة الزينة والبهجة مأخوذ من زهرة الشجرة وهو نورها بفتح النون ، والمراد ما فيها من أنواع المتاع والعين والثياب والزروع وغيرها مما يغتر الناس بحسنه مع قلة البقاء . قوله : فقال رجل لم يدر اسمه . قوله : هل يأتي الخير بالشر ؟ أي : هل تصير النعمة عقوبة .
قوله : حتى ظننا هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : حتى ظننت أنه أي : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ينزل عليه بصيغة المجهول أي : الوحي . قوله : ثم جعل يمسح عن جبينه أي : العرق ، وهكذا وقع في رواية الدارقطني . قوله : لقد حمدناه حين طلع ذلك أي : حمدنا الرجل حين ظهر ، هكذا هو في رواية النسفي ، وفي رواية غيره كذلك ، وقال الكرماني : تقدم في الزكاة أنهم ذموه وقالوا له : لم تكلم النبي ولا يكلمك ؟ وأجاب بأنهم ذموه أو لا حيث رأوا سكوته صلى الله عليه وسلم ، وحمدوه آخرا حيث صار سؤاله سببا لاستفادتهم منه صلى الله عليه وسلم .
قوله : لا يأتي الخير إلا بالخير زاد في رواية الدارقطني تكرار ذلك ثلاث مرات . قوله : خضرة التاء فيه إما للمبالغة نحو رجل علامة أو هو صفة لموصوف محذوف نحو بقلة خضرة ، أو باعتبار أنواع المال ، وقال ابن الأنباري : هذا ليس بصفة للمال وإنما هو للتشبيه كأنه قال : المال كالبقلة الخضرة الحلوة . قوله : الربيع أي : الجدول وهو النهر الصغير ، وجمع الربيع الأربعاء ، وإسناد الإنبات إلى الربيع مجاز والمنبت هو الله عز وجل في الحقيقة .
قوله : حبطا بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة ، وبالطاء المهملة وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل ، يقال : حبطت الدابة تحبط حبطا إذا أصابت مرعى طيبا فأمعنت في الأكل حتى تنتفخ فتموت ، وروي بالخاء المعجمة من التخبط وهو الاضطراب . قوله : أو يلم بضم أوله أي : يقرب أن يقتل . قوله : إلا آكلة الخضرة كلمة إلا بالتشديد للاستثناء ، ويروى بفتح الهمزة وتخفيف اللام للاستفتاح ، وآكلة بالمد وكسر الكاف والخضرة بفتح الخاء المعجمة وكسر الضاد المعجمة في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بضم الخاء وسكون الضاد وبتاء التأنيث ، وفي رواية السرخسي الخضراء بفتح أوله وسكون ثانيه وبالمد ، ولغيرهم بضم أوله وفتح ثانيه جمع خضرة ، وقال الكرماني : الخضرة بفتح الخاء البقلة الخضراء أو ضرب من الكلأ ، وقيل : ما بين الشجر والبقل .
قوله : خاصرتاها تثنية خاصرة وهما جانبا البطن من الحيوان ، وفي رواية الكشميهني : خاصرتها بالإفراد . قوله : فاجترت بالجيم من الاجترار وهو أن يجر البعير من الكرش ما أكله إلى فمه فيمضغه مرة ثانية ، وكل لقمة منه تسمى جرة ، ويصير كل واحدة بعرة . قوله : وثلطت بفتح الثاء المثلثة وفتح اللام والطاء المهملة ، وضبطها ابن التين بكسر اللام أي : ألقت ما في بطنها رقيقا ، والغرض من هذا أن جمع المال غير محرم لكن الاستكثار منه ضار بل يكون سببا للهلاك .
قوله : فنعم المعونة هو أي : المال يعني حيث كان دخله وخرجه بالحق فنعم العون للرجل في الدارين ، وقال صاحب ( المغرب ) : المعونة العون . قلت : أشار به إلى أنه مصدر ميمي . وفيه مثل للمؤمن أن لا يأخذ من الدنيا إلا قدر حاجته ولا تغره زهرتها فتهلكه .