باب قول النبي صلى الله عليه وسلم هذا المال خضرة حلوة
- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : هذا المال خضرة حلوة وقال الله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا سيقت هذه الآية كلها في رواية كريمة ، وفي رواية أبي ذر زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ الآية ، وفي رواية أبي زيد المروزي حُبُّ الشَّهَوَاتِ الآية ، وكانت رواية الإسماعيلي مثل رواية أبي ذر ، وزاد : إلى قوله : ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ أي : في هذه الدنيا من أنواع الملاذ من النساء ، فبدأ بهن لأن الفتنة بهن أشد لقوله صلى الله عليه وسلم في ( الصحيح ) : " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء " فإذا كان القصد بهن الإعفاف وكثرة الأولاد فهذا مطلوب مرغوب فيه مندوب إليه لقوله صلى الله عليه وسلم : الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة .
الحديث ، ثم ذكر البنين فلا يخلو حبهم إما أن يكون للتفاخر والزينة فهو داخل فيها ، وإما أن يكون لتكثير النسل وتكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم فهذا محمود ممدوح كما في الحديث : تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة . قوله : وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ اختلف المفسرون في مقدار القنطار على أقوال ، فقال الضحاك : المال الجزيل ، وقيل : ألف دينار ، وقيل : ألف ومائتان ، وقيل : اثنا عشر ألفا ، وقيل : أربعون ألفا ، وقيل : سبعون ألفا ، وقيل : ثمانون ألفا ، وروى الإمام أحمد من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : القنطار اثنا عشر ألف أوقية ، كل أوقية خير مما بين السماء والأرض ، ورواه ابن ماجه أيضا ،
وروى ابن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا عارم ، عن حماد ، عن سعيد الحرشي ، عن أبي نصرة ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : القنطار ملء مسك الثور ذهبا ، وروي عن حماد مرفوعا والموقوف أصح، وعن سعيد بن جبير : القنطار مائة ألف دينار . قوله : " الْمُقَنْطَرَةِ " مبنية من لفظ القنطار للتوكيد كقولهم : ألف مؤلفة وبدرة مبدرة .
قوله : وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ أي : المعلمة وَالأَنْعَامِ الأزواج الثمانية . قوله : وَالْحَرْثِ بمعنى الأراضي المتخذة للغراس والزراعة ، وروى أحمد من حديث سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " خير مال امرئ مهرة مأمورة أو سكة مأبورة " المأمورة الكثيرة النسل ، والسكة النخيل المصطف ، والمأبورة الملقحة . قوله : ذَلِكَ أي : المذكور مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي : إنما هذه زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية الزائلة .
قوله : وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ أي : حسن المرجع والثواب . قال عمر : اللهم إنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينته لنا ، اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه . أي : قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في الآية المذكورة : إنا لا نستطيع أي : لا نقدر إلا أن نفرح بما زينته لنا أي : بما حصل لنا مما في آية زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ ثم لما رأى أن فتنة المال والغنى مسلطة على من فتحه الله عليه لتزيين الله تعالى له ولشهوات الدنيا في نفوس العباد دعا الله تعالى بقوله : اللهم إني أسألك أن أنفقه في حقه لأن من أخذ المال من حقه ووضعه في حقه فقد سلم من فتنته ، وهذا الأثر وصله الدارقطني في ( غرائب مالك ) من طريق إسماعيل بن أبي أويس ، عن مالك ، عن يحيى بن سعيد - هو الأنصاري - أن عمر بن الخطاب أتي بمال من المشرق يقال له : نفل كسرى ، فأمر به فصب وغطي ثم دعا الناس فاجتمعوا ، ثم أمر به فكشف عنه ، فإذا هو حلي كثير وجواهر ومتاع ، فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وحمد الله عز وجل ، فقالوا : ما يبكيك يا أمير المؤمنين هذه غنائم غنمها الله لنا ونزعها من أهلها ؟ فقال : ما فتح الله من هذا على قوم إلا سفكوا دماءهم واستحلوا حرمتهم ، قال : فحدثني زيد بن أسلم أنه بقي من ذلك المال مناطق وخواتم ، فرفع فقال له عبد الله بن أرقم : حتى متى تحبسه لا تقسمه ؟ قال : بلى إذا رأيتني فارغا فأذني به ، فلما رآه فارغا بسط شيئا في حش نخلة ثم جاء به في مكتل فصبه ، فكأنه استكثره ثم قال : اللهم أنت قلت : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ الآية حتى فرغ منها ثم قال : لا نستطيع إلا أن نحب ما زينت لنا ، فقني شره وارزقني أن أنفقه في حقك ، فما قام حتى ما بقي منه شيء ، وهذا التعليق قد سقط في رواية أبي زيد المروزي .
ج٢٣ / ص٤٩28 - حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان قال : سمعت الزهري يقول : أخبرني عروة وسعيد بن المسيب ، عن حكيم بن حزام قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم سألته فأعطاني ، ثم قال : هذا المال ، وربما قال سفيان : قال لي : يا حكيم إن هذا المال خضرة حلوة ، فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل ولا يشبع ، واليد العليا خير من اليد السفلى . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وعروة هو ابن الزبير بن العوام ، وحكيم بفتح الحاء ابن حزام بكسر الحاء وبالزاي الخفيفة ابن خويلد الأسدي . والحديث مضى في الوصايا ، وفي الخمس عن محمد بن يوسف عن الأوزاعي ، ومضى الكلام فيه .
قوله : " ثم قال " أي : النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : " وربما قال " القائل بربما هو علي بن المديني رواية عن سفيان ، والقائل " قال لي " هو حكيم بن حزام يعني قال : قال لي النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يظن أن سفيان هو القائل بقوله : قال لي يا حكيم ؛ لأن سفيان لم يدرك حكيما لأن بين وفاة حكيم ومولد سفيان نحو خمسين سنة . قوله : " يا حكيم " بالرفع بغير تنوين لأنه منادى مفرد معرفة ، وتفسير الخضرة الحلوة قد مضى عن قريب .
قوله : " بإشراف نفس " الإشراف على الشيء الاطلاع عليه والتعرض له بنحو بسط اليد . قوله : " كالذي يأكل ولا يشبع " أي : كمن به الجوع الكاذب ، وقد يسمى بجوع الكلب كلما ازداد أكلا ازداد جوعا . قوله : " واليد العليا " قد مضى الكلام فيه في كتاب الزكاة في باب الاستعفاف .