حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب المكثرون هم المقلون

- باب المكثرون هم المقلون

وقوله تعالى : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ سيقت هاتان الآيتان بتمامهما في رواية الأصيلي وكريمة ، وفي رواية أبي ذر من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها الآيتان ، وفي رواية أبي زيد بعد قوله : وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا الآية ، ومثله للإسماعيلي ، لكن قال إلى قوله : وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ قوله : مَنْ كَانَ إلى آخره على عمومها في الكفار وفيمن يرائي بعمله من المسلمين ، وقال سعيد بن جبير : الآية فيمن عمل عملا يريد به غير الله جوزي عليه في الدنيا ، وعن أنس : هم اليهود والنصارى إن أعطوا سائلا أو وصلوا رحما عجل لهم جزاء ذلك بتوسعة في الرزق وصحة في البدن ، وقيل : هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم فأسهم لهم من الغنائم ، وقال الضحاك : يعني المشركين إذا عملوا عملا جوزوا عليه في الدنيا ، وهذا أبين لقوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلا النَّارُ قوله : " نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ أي : نوصل إليهم أجور أعمالهم كاملة وافية وهو من التوفية ، وقرئ " يوف " بالياء على أن الفعل لله وبالياء على صيغة المجهول ، ويوفي بالتخفيف وإثبات الياء . قوله : " فيها " أي : في الدنيا .

قوله : لا يُبْخَسُونَ من البخس وهو النقص . قوله : وَحَبِطَ أي : بطل يقال : حبط عمله يحبط وأحبطه غيره ، ومعنى حبط عملهم : ليس لهم ثواب لأنهم لم يريدوا به الآخرة . قوله : وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ أي : عملهم في نفسه باطل ، وقرئ " وبطل " على الفعل ، وعن عاصم " وباطلا " بالنصب .

30 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، حدثنا جرير ، عن عبد العزيز بن رفيع ، عن زيد بن وهب ، عن أبي ذر رضي الله عنه قال : خرجت ليلة من الليالي فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده وليس معه إنسان ، قال : فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد ، قال : فجعلت أمشي في ظل القمر فالتفت فرآني ، فقال : من هذا ؟ قلت : أبو ذر جعلني الله فداءك ، قال : يا أبا ذر ، تعاله ، قال : فمشيت معه ساعة فقال : إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه يمينه وشماله وبين يديه ووراءه وعمل فيه خيرا ، قال : فمشيت معه ساعة فقال لي : اجلس هاهنا ، قال : فأجلسني في قاع حوله حجارة فقال لي : اجلس هاهنا حتى أرجع إليك ، قال : فانطلق في الحرة حتى لا أراه ، فلبث عني فأطال اللبث ، ثم إني سمعته وهو مقبل وهو يقول : وإن سرق وإن زنى ، قال : فلما جاء لم أصبر حتى قلت : يا نبي الله جعلني الله فداءك ، من تكلم في جانب الحرة ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا ، قال : ذلك جبريل عليه السلام عرض لي في جانب الحرة قال : بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ، قلت : يا جبريل وإن سرق وإن زنى ؟ قال : نعم ، قال : قلت : وإن سرق وإن زنى ؟ قال : نعم ، وإن شرب الخمر . مطابقته للترجمة ظاهرة ، والمطابقة أيضا بين الحديث والآية المذكورة هي أن الوعيد الذي فيها محمول على التأقيت في حق من وقع له ذلك من المسلمين لا على التأبيد لدلالة الحديث على أن المرتكب لجنس الكبيرة من المسلمين يدخل الجنة ، وليس فيه ما ينفي أنه يعذب قبل ذلك كما أنه ليس في الآية ما ينفي أنه قد يدخل الجنة بعد التعذيب على معصية الزنا . ج٢٣ / ص٥١وجرير هو ابن عبد الحميد ، وعبد العزيز بن رفيع بضم الراء وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف وبالعين المهملة الأسدي المكي ، سكن الكوفة ، وهو من صغار التابعين ، سمع أنس بن مالك ، وزيد بن وهب أبو سليمان الهمداني الكوفي من قضاعة ، خرج إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق ، وأبو ذر الغفاري اسمه في الأشهر جندب بن جنادة .

والحديث بزيادة ونقصان مضى في مواضع كثيرة في الاستقراض ، وفي الاستئذان ، وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة به ، وأخرجه الترمذي في الإيمان عن محمود بن غيلان ، وأخرجه النسائي في اليوم والليلة عن عبدة بن عبد الرحمن وغيره . قوله : " خرجت ليلة من الليالي " وفي رواية الأعمش عن زيد بن وهب عنه : كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء ، فبين فيه المكان والزمان . قوله : " في ظل القمر " أي : في مكان ليس للقمر فيه ضوء ليخفي نفسه ، وإنما استمر يمشي لاحتمال أن يطرأ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حاجة فيكون قريبا منه .

قوله : " قلت : أبو ذر " أي : أنا أبو ذر . قوله : " تعاله " أمر بهاء السكت ، هكذا في رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : " تعال " قال ابن التين : فائدة هاء السكت أن لا يقف على ساكنين وهو غير مطرد . قوله : " إن المكثرين هم المقلون " قد مر الكلام فيه آنفا .

قوله : " خيرا " أي : مالا قال تعالى : إِنْ تَرَكَ خَيْرًا قوله : " فنفح فيه " بالحاء المهملة يقال : نفح فلان فلانا بشيء أي : أعطاه ، والنفحة الدفعة ، وقال صاحب ( الأفعال ) : نفح بالعطاء أعطى ، والله نفاح بالخيرات ، وقال صاحب ( العين ) : نفح بالمال والسيف ونفحت الدابة رمت بحافرها الأرض . قوله : " ووراءه " قيل : معناه يوصي فيه ويبقيه لوارثه وحبس بحبسه . قوله : " في قاع " هو أرض سهلة مطمئنة قد انفرجت عنها الجبال .

قوله : " في الحرة " بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء أرض ذات حجارة سود كأنها احترقت بالنار . قوله : " وهو مقبل " الواو فيه للحال . قوله : " وهو يقول " كذلك الواو فيه للحال .

قوله : " دخل الجنة " أي : كان مصيره إليها ، وإن ناله عقوبة جمعا بينه وبين مثل وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ من الآيات الموعدة للفساق . قوله : " وإن سرق وإن زنى " قيل : يحتمل معنيين : أحدهما : أن هذه الأمة يغفر لجميعها . والثاني : أن يكون يدخل الجنة من عوقب ببعض ذنوبه فأدخل النار ثم أخرج منها بذنوبه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث