حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب يقبض الله الأرض يوم القيامة

حدثنا يحيى بن بكير ، حدثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة ، يتكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلا لأهل الجنة ، فأتى رجل من اليهود فقال : بارك الرحمن عليك يا أبا القاسم ، ألا أخبرك بنزل أهل الجنة يوم القيامة ؟ قال : بلى ، قال : تكون الأرض خبزة واحدة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلينا ثم ضحك حتى بدت نواجذه ، ثم قال : ألا أخبرك بإدامهم ؟ قال : إدامهم بالام ونون ، قالوا : وما هذا ؟ قال : ثور ونون ، يأكل من زائدة كبدهما سبعون ألفا . مطابقته للترجمة من حيث إن الله عز وجل يقبض الأرض يوم القيامة ثم يصيرها خبزة . وخالد : هو ابن يزيد ، من الزيادة ، الجمحي ، بضم الجيم وفتح الميم وبالحاء المهملة ، والسند إلى سعيد مصريون ، ومنه إلى آخره مدنيون .

والحديث أخرجه مسلم في التوبة عن عبد الملك بن شعيب بن الليث عن أبيه عن جده . قوله : تكون الأرض يعني أرض الدنيا . قوله : خبزة بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة وفتح الزاي ، قال الخطابي : الخبزة الطلمة ، بضم الطاء المهملة وسكون اللام ، وهو عجين يجعل ويوضع في الحفيرة بعد إيقاد النار فيها ، قال : والناس يسمونها الملة بفتح الميم وتشديد اللام ، وإنما الملة الحفرة نفسها ، والتي تمل فيها هي الطلمة والخبزة والمليل .

قوله : يتكفؤها بفتح التاء المثناة من فوق ، وبفتح الكاف وتشديد الفاء المفتوحة ، بعدها همزة ، أي : يميلها ويقلبها ، من كفأت الإناء إذا قلبته ، وفي رواية مسلم يكفؤها . قوله : كما يكفؤ أحدكم خبزته في السفر أراد أنه كخبزة المسافر التي يجعلها في الرماد الحار يقلبها من يد إلى يد حتى تستوي لأنها ليست منبسطة كالرقاقة ، ومعناه : إن الله عز وجل يجعل الأرض كالرغيف العظيم الذي هو عادة المسافرين فيه ليأكل المؤمن من تحت قدميه حتى يفرغ من الحساب . وقال الخطابي : يعني خبز الملة الذي يصنعه المسافر ، فإنها لا تدحى كما تدحى الرقاقة وإنما تقلب على الأيدي حتى تستوي ، وهذا على أن السفر بفتح المهملة والفاء ورواه بعضهم بضم أوله ، جمع سفرة ، وهو الطعام الذي يتخذ للمسافر ، ومنه سميت السفرة ، يعني التي يؤكل عليها .

قوله : نزلا لأهل الجنة بضم النون والزاي وبسكونها أيضا ، وهو ما يعد للضيف عند نزوله ، ومعناه : إن الله تعالى جعل هذه الخبزة نزلا لمن يصير من أهل الجنة يأكلونها في الموقف قبل دخول الجنة حتى لا يعاقبون بالجوع في طول زمان الموقف ، وقال الداودي : إن المراد أنه يأكل منها من سيصير إلى الجنة من أهل الحشر ، لا أنهم لا يأكلونها حتى يدخلوا الجنة ، وقال بعضهم : وظاهر الخبر يخالفه . قلت : كأن هذا القائل يقول إن قوله نزلا لأهل الجنة أعم من كون ذلك يقع قبل دخول الجنة أو بعده ، والداودي بنى كلامه على ظاهر ما روي عن سعيد بن جبير ، قال : تكون الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه رواه الطبري ولا ينافي العموم ما قاله الداودي ، وعن البيضاوي أن هذا الحديث مشكل جدا ، لا من جهة إنكار صنع الله وقدرته على ما يشاء ، بل لعدم التوقف على قلب جرم الأرض من الطبع الذي عليه إلى طبع المطعوم والمأكول مع ما ثبت في الآثار أن هذه الأرض تصير يوم القيامة نارا وتنضم إلى جهنم ، فلعل الوجه فيه أن معنى قوله : خبزة واحدة أي : كخبزة واحدة من نعتها كذا وكذا . قلت : تكلم الطيبي هنا بما آل حاصله وحاصل كلام البيضاوي أن أرض الدنيا تصير نارا محمول على حقيقته ، وأن كونها تصير خبزة يأكل منها أهل الموقف محمول على المجاز .

قلت : الأثر الذي ذكرناه الآن عن سعيد بن جبير وغيره يرد عليهما ، والأولى أن يحمل على الحقيقة مهما أمكن وقدرة الله صالحة لذلك ، والجواب عن الحديث الذي استدل به البيضاوي من كون الأرض تصير نارا أن المراد به أرض البحر لا كل الأرض ، فقد أخرج الطبري من طريق كعب الأحبار قال : يصير مكان البحر نارا ، وفي تفسير الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه تصير السماوات جفانا ويصير مكان البحر نارا . فإن قلت : أخرج البيهقي في البعث في قوله تعالى : ﴿وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً قال : يصيران غبرة في وجوه الكفار . قلت : قد قال بعضهم : يمكن الجمع بأن بعضها يصير نارا وبعضها غبارا وبعضها يصير خبزة ، وفيه تأمل ، لأن لفظ حديث الباب تكون الأرض يوم القيامة خبزة يطلق على الأرض كلها ، وفيما قاله ارتكاب المجاز فلا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة ، ولا تعذر هنا من كون كل الأرض خبزة ، لأن القدرة صالحة لذلك ولأعظم منها ، بل الجواب الشافي هنا أن يقال : إن المراد من كون الأرض نارا هو أرض البحر ، كما مر ، والمراد من كونها غبرة الجبال فإنها بعد أن تدك تصير غبارا في وجوه الكفار .

قوله : ثم ضحك يعني تعجبا من اليهودي ، كيف أخبر عن كتابهم نظير ما أخبر به من جهة الوحي . قوله : حتى بدت نواجذه أي : حتى ظهرت نواجذه ، وهو جمع ناجذة ، بالنون والمعجمتين ، وهي أخريات الأسنان إذا الأضراس أولها الثنايا ثم الرباعيات ثم الضواحك ثم الأرحاء ثم النواجذ ، وجاء في كتاب الصوم حتى بدت أنيابه ولا منافاة بينهما لأن النواجذ تطلق على الأنياب والأضراس أيضا ، قيل : مضى في كتاب الأدب في باب التبسم أنه ما كان يزيد على التبسم ، وأجيب بأن ذلك بيان عادته وحكم الغالب فيه ، وهذا نادر ولا اعتبار له . قوله : ألا أخبرك وفي رواية مسلم ألا أخبركم .

قوله : ثم قال وفي رواية الكشميهني فقال . قوله : بالام ، بفتح الباء الموحدة وتخفيف اللام والميم ، وقال الكرماني : وهي موقوفة ومرفوعة منونة وغير منونة ، وفيه أقوال ، والصحيح أنها كلمة عبرانية معناها بالعربية الثور ، وبهذا فسره ، ولهذا سألوا اليهودي عن تفسيرها ، ولو كانت عربية لعرفتها الصحابة رضي الله تعالى عنهم ، وقال الخطابي : لعل اليهودي أراد التعمية عليهم وقطع الهجاء وقدم أحد الحرفيين على الآخر ، وهي لام ألف وياء ، يريد : لأي ، على وزن لعا وهو الثور الوحشي ، فصحف الراوي المثناة فجعلها موحدة ، وقال ابن الأثير : وأما البالام فقد تمحلوا لها شرحا غير مرضي ، ولعل اللفظة عبرانية ، ثم نقل كلام الخطابي الذي ذكره ثم قال : وهذا أقرب ما وقع لي فيه . قوله : ونون وهو الحوت المذكور في أول السورة .

قوله : وقالوا أي : الصحابة ، وفي رواية مسلم فقالوا . قوله : ما هذا ، وفي رواية الكشميهني وما هذا بزيادة واو . قوله : من زائدة كبدهما الزائدة هي القطعة المنفردة المتعلقة بالكبد ، وهي أطيبها وألذها ، ولهذا خص بأكلها سبعون ألفا ، ويحتمل أن هؤلاء هم الذين يدخلون الجنة بغير حساب ، ويحتمل أن يكون عبر بالسبعين عن العدد الكثير ، ولم يرد الحصر فيها ، وقال الداودي : أول أكل أهل الجنة زائدة الكبد يلعب الثور والحوت بين أيديهم فيذكي الثور الحوت بذنبه فيأكلون منه ، ثم يعيده الله تعالى فيلعبان فيذكي الحوت الثور بذنبه فيأكلون منه ، كذلك ما شاء الله ، وقال كعب : فيما ذكره ابن المبارك أن الله يقول لأهل الجنة إذا دخلوها : إن لكل ضيف جزورا وإني أجزركم اليوم حوتا وثورا ، فيجزر لأهل الجنة وروى مسلم من حديث ثوبان تحفة أهل الجنة زيادة كبد النون ، أي : الحوت ، وفيه غذاؤهم على أثرها أنه ينحر لهم ثور الجنة الذي يأكل من أطرافها ، وفيه وشرابهم عليه من عين تسمى سلسبيلا .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث