حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القيد في المنام

حدثنا عبد الله بن صباح ، حدثنا معتمر ، قال : سمعت عوفا ، حدثنا محمد بن سيرين أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ، ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وما كان من النبوة فإنه لا يكذب . قال محمد : وأنا أقول هذه ، قال : وكان يقال : الرؤيا ثلاث : حديث النفس ، وتخويف الشيطان ، وبشرى من الله ؛ فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل ، قال : وكان يكره الغل في النوم وكان يعجبهم القيد ، ويقال : القيد ثبات في الدين . مطابقته للترجمة في قوله ( وكان يعجبهم القيد .

إلخ ) . وعبد الله بن الصباح بتشديد الباء الموحدة العطار البصري ، ومعتمر بن سليمان وعوف الأعرابي ، والحديث من أفراده . قوله ( إذا اقترب الزمان لم تكد تكذب رؤيا المؤمن ) هكذا في رواية أبي ذر غير الكشميهني ، وفي رواية غيره : إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب .

وقال الخطابي : فيه قولان : أحدهما : أن المعنى إذا تقارب زمان الليل وزمان النهار ، وهو وقت استوائهما أيام الربيع وذلك وقت اعتدال الطبائع الأربع غالبا . والثاني : أن المراد من اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة . وقال ابن بطال : الصواب هو الثاني .

وقال الداودي : المراد بتقارب الزمان نقص الساعات والأيام والليالي ، ومراده بالنقص سرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة ، وقيل : معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبا على الوجه المرئي لا تحتاج إلى التعبير فلا يدخلها الكذب ، والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبا كما في الحديث : بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا . أخرجه مسلم ، فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت ، فيكرم بالرؤيا الصادقة . وقيل : المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الأمن وبسط الخير والرزق .

وقال القرطبي : المراد ، والله أعلم ، بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى ابن مريم صلوات الله عليهما وسلامه بعد قتله الدجال . قوله ( ورؤيا المؤمن ) جزء الحديث معطوف على جملة الحديث قبله ، وهذا إذا اقترب الزمان الحديث فهو مرفوع أيضا ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . قوله ( قال محمد ) هو ابن سيرين .

قوله ( وأنا أقول ) هذه إشارة إلى الجملة المذكورة . وقال الكرماني : هذه ، أي : المقالة ، وقوله ( وأنا أقول هذه ) كذا هو في رواية أبي ذر ، وفي جميع الطرق . ووقع في شرح ابن بطال : وأنا أقول هذه الأمة ، وذكره عياض كذلك ، وقال : خشي ابن سيرين أن يتأول أحد معنى .

قوله ( وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا ) أنه إذا تقارب الزمان لم يصدق إلا رؤيا الرجل الصالح ، وأنا أقول : هذه الأمة ، يعني أن رؤيا هذه الأمة صادقة كلها صالحها وفاجرها ليكون صدق رؤياهم زجرا لهم وحجة عليهم لدروس أعلام الدين وطموس آثاره بموت العلماء وظهور المنكر ، انتهى . وقال بعضهم : وهذا مرتب على ثبوت هذه الزيادة ، وهي لفظ الأمة ولم أجدها في شيء من الأصول ، انتهى . قلت : عدم وجدانه ذلك لا يستلزم عدم وجدانه عند غيره .

قوله ( قال : وكان يقال : الرؤيا ثلاث . إلخ ) ، أي : قال محمد بن سيرين : الرؤيا على ثلاثة أقسام ولم يعين ابن سيرين القائل بهذا من هو ؟ قالوا : هو أبو هريرة ، وقد رفعه بعض الرواة ووقفه آخرون ، وقد أخرجه أحمد ، عن هوذة بن خليفة ، عن عوف بسنده مرفوعا : الرؤيا ثلاث . الحديث مثله .

وأخرجه الترمذي ، والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الرؤيا ثلاث فرؤيا حق ، ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ، ورؤيا تخويف من الشيطان . وأخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين مرفوعا أيضا بلفظ : الرؤيا ثلاث : فالرؤيا الصالحة بشرى من الله ، والباقي نحوه . قوله ( حديث النفس ) ، أي : أولها حديث النفس ، وهو ما كان في اليقظة في خيال الشخص فيرى ما يتعلق به عند المنام .

قوله ( وتخويف الشيطان ) ، وهو الحلم ، أي : المكروهات منه . قوله ( وبشرى ) ، أي : الثالث بشرى من الله ، أي : المبشرات ، وهي المحبوبات . ووقع في حديث عوف بن مالك عند ابن ماجه بسند حسن رفعه : الرؤيا ثلاث : منها أهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم ، ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، قيل : ليس الحصر مرادا من قوله ( ثلاث ) لثبوت أربعة أنواع أخرى .

الأول : حديث النفس ، وهو في حديث أبي هريرة في الباب . الثاني : تلاعب الشيطان ، وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه ، قال : جاء أعرابي ، فقال : يا رسول الله رأيت في المنام كان رأسي قطع ، فأنا أتبعه ، وفي لفظ : فتدحرج فاشتددت في إثره ، فقال : لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام ، وفي رواية له : إذا لعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس . والثالث : رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقت فنام فيه فرأى أنه يأكل ، أو بات طافحا من أكل ، أو شرب فرأى أنه يتقيأ وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص .

والرابع : الأضغاث . قوله ( قال : وكان يكره ) ، أي : قال ابن سيرين : كان أبو هريرة يكره الغل في النوم لأنه من صفات أهل النار ، لقوله تعالى : إِذِ الأَغْلالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ الآية . وقد تدل على الكفر وقد تدل على امرأة تؤذي يعني يعبر بها ، والغل بضم الغين المعجمة وتشديد اللام هو الحديد الذي يجعل في العنق .

وقالوا : إن انضم الغل إلى القيد يدل على زيادة المكروه وإذا جعل الغل في اليدين حمد لأنه كف لهما عن الشر ، وقد يدل الغل على البخل بحسب الحال ، وقالوا أيضا : إن رأى أن يديه مغلولتان فإنه بخيل ، وإن رأى أنه قيد وغل فإنه يقع في سجن أو شدة . وقال الكرماني : اختلفوا في قوله ( وكان يقال ) إلى قوله ( في الدين ) ، فقال بعضهم : كله كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقيل : كله كلام ابن سيرين ، وقيل : القيد ثبات في الدين هو كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقيل : وكان يكره فاعله رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، وهو كلام أبي هريرة ، انتهى . قلت : أخذ الكرماني هذا من كلام الطيبي .

قوله ( وكان يعجبهم ) كذا ثبت هنا بلفظ الجمع ، والإفراد في يكره ، ونقول : وقال الطيبي : ضمير الجمع لأهل التعبير ، وكذا قوله ( وكان يقال : القيد ثبات في الدين ، قال المهلب : روي عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم : القيد ثبات في الدين من رواية قتادة ويونس وآخرين . وتفسير ذلك أنه يمنع الخطايا ويقيد عنها ، وروى ابن ماجه من حديث وكيع ، عن أبي بكر الهذلي ، عن ابن سيرين ، فذكر قصة القيد مرفوعة .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث