باب من شاق شق الله عليه
( باب من شاق شق الله عليه ) 16 - حدثنا إسحاق الواسطي ، حدثنا خالد ، عن الجريري ، عن طريف أبي تميمة قال : شهدت صفوان وجندبا وأصحابه ، وهو يوصيهم ، فقالوا : هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ؟ قال : سمعته يقول : من سمع سمع الله به يوم القيامة ، قال : ومن يشاقق يشقق الله عليه يوم القيامة ، فقالوا : أوصنا ، فقال : إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه ، فمن استطاع أن لا يأكل إلا طيبا فليفعل ، ومن استطاع أن لا يحال بينه وبين الجنة بملء كفه من دم أهراقه فليفعل . قلت لأبي عبد الله : من يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ جندب ؟ قال : نعم ، جندب .
مطابقته للترجمة ظاهرة . وإسحاق شيخ البخاري هو إسحاق بن شاهين أبو بشر الواسطي ، روى عنه في مواضع ، ولم يزد على قوله حدثنا إسحاق الواسطي ، يروي هنا عن خالد بن عبد الله الطحان . والجريري - بضم الجيم وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف - نسبة إلى جرير بن عباد أخي الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن بكر بن وائل ، ومن المنسوبين إليه هو سعيد بن إياس الجريري .
وطريف - بالطاء المهملة على وزن كريم - ابن مجالد - بضم الميم وتخفيف الجيم - الجهيمي - بالجيم مصغرا - نسبة إلى بني جهيم بطن من تميم ، وكان مولاهم ، وهو بصري ، وما له في البخاري عن أحد من الصحابة إلا هذا الحديث ، وحديث آخر مضى في الأدب من روايته عن أبي عثمان النهدي . قوله : " أبي تميمة " كنية طريف " وصفوان " هو ابن محرز بن زياد التابعي الثقة المشهور ، من أهل البصرة . قوله : " وجندبا " هو ابن عبد الله البجلي الصحابي المشهور .
قوله : " وأصحابه " أي أصحاب صفوان . قوله : " وهو يوصيهم " أي صفوان بن محرز يوصيهم ، كذا قاله بعضهم ، فجعل الضمير راجعا إلى صفوان ، وقال الكرماني : وهو ابن جندب ، كان يوصي أصحابه ، فجعل الضمير راجعا إلى جندب ، والصواب مع الكرماني ، يدل عليه أيضا ما ذكره المزي في الأطراف بلفظ : " شهدت صفوان وأصحابه وجندبا يوصيهم " . قوله : " فقالوا " أي فقال صفوان وأصحابه لجندب : " هل سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا ؟ قال " أي جندب " سمعته " أي سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم – " يقول : من سمع " بالتشديد أي من عمل للسمعة يظهر الله للناس سريرته ويملأ أسماعهم بما ينطوي عليه من خبث السرائر جزاء لفعله .
وقيل : أي يسمعه الله ويريه ثوابه ، من غير أن يعطيه . وقيل : من أراد بعلمه الناس أسمعه الله الناس ، وذلك ثوابه فقط . وفيه أن الجزاء من جنس الذنب ، وقال الخطابي : من رأى بعمله وسمع الناس يعظموه بذلك ، شهره الله يوم القيامة وفضحه ، حتى يرى الناس ويسمعون ما يحل به من الفضيحة عقوبة على ما كان منه في الدنيا من الشهرة ، وقال الداودي : يعني من سمع بمؤمن شيئا بشهرته أقامه الله يوم القيامة مقاما يسمع به .
وقال صاحب العين : سمعت بالرجل إذا أذعت عنه عيبا ، والسمعة ما يسمع به من طعام أو غيره ليرى ويسمع ، وقال أبو عبيد في حديث الباب : من سمع الله بعمله سمع الله به خلقه وحقره وصغره . قوله : " ومن يشاقق يشقق الله عليه " كذا في رواية السرخسي والمستملي بصيغة المضارع وفك القاف في الموضعين ، وفي رواية الكشميهني : " ومن شاق شق الله عليه " ج٢٤ / ص٢٣٠بصيغة الماضي ، والإدغام في الموضعين ، وفي رواية الطبراني عن أحمد بن زهير ، عن إسحاق بن شاهين شيخ البخاري " ومن شاقق يشق الله عليه " بصيغة الماضي في الأول ، والمضارع في الثاني ، والمعنى أن يضل الناس ويحملهم على ما يشق من الأمر . وقيل : المعنى أن يكون ذلك من شقاق الخلاف ، وهو بأن يكون في شق منهم ، وفي ناحية من جماعتهم .
وقيل : المعنى النهي عن القول القبيح في المؤمنين وكشف مساوئهم وعيوبهم . قوله : " فقال " أي جندب " إن أول ما ينتن من الإنسان بطنه " وهذا موقوف ، وكذا أخرجه الطبراني من طريق قتادة ، عن الحسن البصري ، عن جندب موقوفا . قوله : " ينتن " بضم الياء وسكون النون من الإنتان وماضيه أنتن ، والنتن الرائحة الكريهة ، وقال الجوهري : نتن الشيء وأنتن بمعنى ، فهو منتن ، ومنتن بكسر الميم إتباعا لكسرة التاء .
قوله : " إلا طيبا " أي حلالا . قوله : " أن لا يحال " وفي رواية الكشميهني : أن لا يحول . قوله : " بملء كفه " وفي رواية الكشميهني : " ملء كفه " بغير باء موحدة .
قوله : " كفه " كذا في رواية الأصيلي وكريمة بالضمير ، وفي رواية غيرهما : بملء كف بدون الضمير . قوله : " من دم " كلمة من بيانية . قوله : " أهراقه " أي صبه ، وقال ابن التين : وقع في روايتنا أهراقه ، والأصل أراقه ، والهاء فيه زائدة .
قوله : " وأن لا يحال " إلى آخره موقوف أيضا ، وكذا أخرجه الطبراني من طريق قتادة ، عن الحسن ، عن جندب موقوفا وزاد الحسن بعد قوله أهراقه : كأنما يذبح دجاجة ، كلما يقدم لباب من أبواب الجنة حال بينه وبينه . ووقع مرفوعا عند الطبراني أيضا من طريق إسماعيل بن مسلم ، عن الحسن ، عن جندب ، ولفظه : " تعلمون أني سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول : يحول بين أحدكم وبين الجنة وهو يراها ملء كف دم من مسلم ، أهراقه بغير حله " وهذا لو لم يرد مصرحا برفعه فكأنه في حكم المرفوع ؛ لأنه لا يقال بالرأي ، وهو وعيد شديد لقتل المسلم . قوله : " قلت لأبي عبد الله " أبو عبد الله هو البخاري ، والقائل له هو الفربري ، وليس هذا في رواية النسفي .