حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القضاء والفتيا في الطريق

( باب القضاء ، والفتيا في الطريق ) أي هذا باب في بيان القضاء أي الحكم ، والفتيا بضم الفاء ، يقال : استفتيت الفتيا فأفتاني ، والاسم الفتيا والفتوى . قوله : " في الطريق " أي حال كون القضاء والفتيا في الطريق . وقال المهلب : الفتوى في الطريق على الدابة وما يشاكلها من التواضع لله ؛ فإن كانت لضعيف أو جاهل فمحمودة عند الله والناس ، وإن تكلف ذلك لرجل من أهل الدنيا ، ولمن يخشى لسانه فمكروه أن ينـزل مكانه .

واختلف أصحاب مالك في القضاء سائرا أو ماشيا ، فقال أشهب : لا بأس بذلك إذا لم يشغله السير أو المشي عن الفهم . وقال سحنون : لا ينبغي أن يقضي وهو يسير أو يمشي . وقال ابن حبيب : ما كان من ذلك يسيرا كالذي يأمر بسجن من وجب عليه ، أو يأمر بشيء ، أو بكف عن شيء - فلا بأس بذلك ، وأما الابتداء بالنظر ونحوه فلا ، وقال ابن بطال : وهو حسن ، وقول أشهب أشبه بالدليل .

وقال ابن التين : لا يجوز الحكم في الطريق فيما يكون غامضا . وقضى يحيى بن يعمر في الطريق . يعمر - بفتح الياء آخر الحروف وسكون العين المهملة وفتح الميم وبالراء - التابعي الجليل المشهور ، وكان من أهل البصرة ، فانتقل إلى مرو بأمر الحجاج ، فولي قضاء مرو لقتيبة بن مسلم ، وكان من أهل الفصاحة والورع ، وقال الحكم : وقضى في أكثر مدن خراسان ، وكان إذا تحول إلى بلدة استخلف في التي انتقل منها ، وفي التوضيح : يحيى بن يعمر قضى في الطريق ، لعله فيما كان فيه نص أو مسألة لا تحتاج إلى فكر دون ما غامض .

قوله : " في الطريق " أي حال كونه في الطريق ، ووصل هذا محمد بن سعد في الطبقات عن شبابة ، عن موسى بن يسار قال : رأيت يحيى بن يعمر على القضاء بمرو ، فربما رأيته يقضي في السوق ، وفي الطريق ، وربما جاءه الخصمان وهو على حمار ، فيقضي بينهما . وقضى الشعبي على باب داره . ج٢٤ / ص٢٣١الشعبي هو عامر بن شراحيل بن عبد الله أبو عمر ، ونسبته إلى شعب من همدان ، مات في أول سنة ست ومائة وهو ابن سبع وسبعين سنة ، وقال منصور بن عبد الرحمن الفداني ، عن الشعبي : أدركت خمسمائة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون : علي وطلحة والزبير في الجنة .

وروى عنه جماعة كثيرون ، منهم الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه . قوله : " على باب داره " أي حال كونه على باب داره ، وقال ابن سعد في الطبقات : أخبرنا أبو نعيم ، أخبرنا ابن أبي شيبة ، حدثنا أبو إسرائيل : رأيت الشعبي يقضي عند باب الفيل بالكوفة . 17 - حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، عن منصور ، عن سالم بن أبي الجعد ، حدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه : بينما أنا والنبي - صلى الله عليه وسلم - خارجان من المسجد فلقينا رجل عند سدة المسجد ، فقال : يا رسول الله ، متى الساعة ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما أعددت لها ؟ فكأن الرجل استكان ، ثم قال : يا رسول الله ، ما أعددت لها كثير صيام ولا صلاة ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله ، قال : أنت مع من أحببت .

مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : " عند سدة المسجد " لأن السدة في قوله هي الساحة أمام البيت . وقيل : هي باب الدار . وقيل : هي المظلة على الباب ؛ لوقاية المطر والشمس .

وقيل : عتبة الدار . وقيل لإسماعيل بن عبد الرحمن : السدي ؛ لأنه كان يبيع المقانع عند سدة مسجد الكوفة ، وهي بضم السين وتشديد الدال المهملتين . وعثمان شيخ البخاري أخو أبي بكر بن أبي شيبة ، وجرير هو ابن عبد الحميد ، ومنصور هو ابن المعتمر ، وسالم بن أبي الجعد بفتح الجيم وسكون العين المهملة ، واسم أبي الجعد رافع الأشجعي مولاهم الكوفي ، مات في سنة تسع أو ثمان وتسعين ، في ولاية سليمان بن عبد الملك .

والحديث مضى في الأدب عن عبدان ، عن أبيه . ومضى الكلام فيه . قوله : " ما أعددت لها " كذا في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره : ما عددت بالتشديد مثل جمع مالا وعدده ، أي ما هيأت للساعة واستعددت لها .

قوله : " استكان " أي خضع ، وهو من باب استفعل ، من السكون الدال على الخضوع ، وقال الداودي : أي سكن ، وقال الكرماني : استكان افتعل من السكون ، فالمد شاذ . وقيل : استفعل من السكون ، فالمد قياس . قوله : " كثير صيام " بالثاء المثلثة عند البعض وعند الأكثرين بالباء الموحدة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث