باب قول الله تعالى عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا
حدثنا خالد بن مخلد ، حدثنا سليمان بن بلال ، حدثني عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله ؛ لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ، ولا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله . مطابقته للترجمة ظاهرة . والحديث مضى في آخر الاستسقاء ، فإنه أخرجه هناك عن محمد بن يوسف عن سفيان عن عبد الله بن دينار ، ومضى الكلام فيه .
قوله : مفاتيح الغيب استعارة إما مكنية وإما مصرحة ، ولما كان جميع ما في الوجود محصورا في علمه شبهه الشارع بالمخازن ، واستعار لبابها المفتاح ، والحكمة في كونها خمسا الإشارة إلى حصر العوالم فيها ، ففي قوله : ما تغيض الأرحام إشارة إلى ما يزيد في النفس وينقص ، وخص الرحم بالذكر لكون الأكثر يعرفونها بالعادة ، ومع ذلك ينفي أن يعرف أحد حقيقتها ، وفي قوله : ولا يعلم متى يأتي المطر إشارة إلى العالم العلوي ، وخص المطر مع أن له أسبابا قد تدل بجري العادة على وقوعه لكنه من غير تحقيق ، وفي قوله : ولا تدري نفس بأي أرض تموت إشارة إلى أمور العالم السفلي ، مع أن عادة أكثر الناس أن يموت ببلده ولكن ليس ذلك حقيقة ، بل لو مات في بلده لا يعلم في أي بقعة يدفن فيها ولو كان هناك مقبرة لأسلافه ، بل قبر أعده هو له ، وفي قوله : ولا يعلم ما في غد إلا الله إشارة إلى أنواع الزمان وما فيها من الحوادث ، وعبر بلفظ غد لكون حقيقته أقرب الأزمنة ، وإذا كان مع قربه لا يعلم حقيقة ما يقع فيه ، وفي قوله : ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله إشارة إلى علوم الآخرة ، فإذا لم يعلم أولها مع قربها فنفي علم ما بعدها أولى .