باب قول الله تعالى وهو العزيز الحكيم
باب قول الله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ ومن حلف بعزة الله وصفاته . أي : هذا باب في قول الله - عز وجل - وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ذكر فيه ثلاث قطع من ثلاث آيات . ( الأولى ) قوله تعالى : وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فالعزيز متضمن للعزة ، ويجوز أن يكون صفة ذات ، يعني القدرة والعظمة ، وأن يكون صفة فعل بمعنى القهر لمخلوقاته والغلبة لهم ، وقال الحليمي : معناه الذي لا يوصل إليه ولا يمكن إدخال مكروه عليه ، فإن العزيز في لسان العرب من العزة وهي الصلابة ، وقال الخطابي : العزيز المنيع الذي لا يغلب ، والعز قد يكون من الغلبة ، يقال : منه عز يعز بفتح العين ، وقد يكون بمعنى نفاسة القدر ، يقال : منه عز يعز بكسر العين ، فيؤول معنى العز على هذا ، وأنه لا يعازه شيء .
قوله : الحكيم متضمن لمعنى الحكمة ، وهو إما صفة ذات يكون بمعنى العلم ، والعلم من صفات الذات ، وإما صفة فعل بمعنى الأحكام . ( الآية الثانية ) سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ ففي إضافة العزة إلى الربوبية إشارة إلى أن المراد ههنا القهر والغلبة ، ويحتمل أن يكون الإضافة للاختصاص ، كأنه قيل : ذو العزة ، وأنها من صفات الذات ، والتعريف في العزة للجنس ، فإذا كانت العزة كلها لله تعالى فلا يصح أن يكون أحد معتزا إلا به ، ولا عزة لأحد إلا وهو مالكها . ( والآية الثالثة ) يعرف حكمها من الثانية ، وهي بمعنى الغلبة ؛ لأنها جواب لمن ادعى أنه الأعز وأن ضده الأذل ، فرد عليه بأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فهو كقوله : ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾قوله : ومن حلف بعزة الله وصفاته كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي وسلطانه بدل وصفاته ، والأول أولى ، وقد تقدم في كتاب الأيمان والنذور باب الحلف بعزة الله وصفاته وكلامه ، وقد تقدم الكلام فيه ، وقال ابن بطال ما ملخصه : الحالف بعزة الله التي هي صفة ذات يحنث ، والحالف بعزة الله التي هي صفة فعل لا يحنث ، بل هو منهي عن الحلف بها كما نهي عن الحلف بحق السماء وحق زيد ، انتهى ، لكن إذا أطلق الحالف انصرف إلى صفة الذات وانعقد اليمين ، إلا إن قصد خلاف ذلك .
وقال أنس : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : تقول جهنم : قط قط وعزتك . هذا طرف من حديث مطول مضى في تفسير سورة ( ق ) والمراد به أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نقل عن جهنم أنها تحلف بعزة الله ، وأقرها على ذلك ، فيحصل المراد سواء كانت هي الناطقة حقيقة أم الناطق غيرها كالموكلين بها . وقال أبو هريرة : عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : يبقى رجل بين الجنة والنار آخر أهل النار دخولا الجنة ، فيقول : رب اصرف وجهي عن النار ، لا وعزتك لا أسألك غيرها ، قال أبو سعيد : إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله - عز وجل - : لك ذلك وعشرة أمثاله .
مطابقة هذا والذي قبله للترجمة ظاهرة . هذا طرف حديث طويل تقدم مع شرحه في آخر كتاب الرقاق . قوله : يبقى رجل يروى أن اسمه جهينة بالجيم والنون ، قيل : ليس كلام هذا حجة ، وأجيب بأن حكاية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل التقرير والتصديق حجة .
قوله : وقال أبو سعيد من تتمة حديث أبي هريرة ، قاله الكرماني ، قلت : ليس كذلك ، بل المراد أن أبا سعيد وافق أبا هريرة على رواية الحديث المذكور إلا ما ذكره من الزيادة في قوله : عشرة أمثاله . وقال أيوب : وعزتك لا غنى بي عن بركتك . هذا أيضا طرف من حديث لأبي هريرة مضى في كتاب الأيمان والنذور ، وتقدم أيضا موصولا في كتاب الطهارة في الغسل ، وأوله : بينا أيوب يغتسل ، وتقدم أيضا في أحاديث الأنبياء - عليهم السلام - مع شرحه ، ووقع في رواية الحاكم : لما عافى الله أيوب أمطر عليه جرادا من ذهب ، الحديث .
قوله : لا غنى بي بالقصر في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : لا غناء ممدودا ، وكذا في رواية أبي ذر للسرخسي .