باب ما جاء في قول الله تعالى إن رحمة الله قريب من المحسنين
حدثنا عبيد الله بن سعد بن إبراهيم ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أبي عن صالح بن كيسان ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : اختصمت الجنة والنار إلى ربهما فقالت الجنة : يا رب ما لها لا يدخلها إلا ضعفاء الناس وسقطهم ، وقالت النار : يعني أوثرت بالمتكبرين ، فقال الله تعالى للجنة : أنت رحمتي وقال للنار : أنت عذابي أصيب بك من أشاء ، ولكل واحدة منكما ملؤها قال : فأما الجنة فإن الله لا يظلم من خلقه أحدا وإنه ينشئ للنار من يشاء فيلقون فيها ، فتقول : هل من مزيد ثلاثا حتى يضع فيها قدمه فتمتلئ ، ويرد بعضها إلى بعض وتقول : قط قط قط . مطابقته للترجمة في قوله : أنت رحمتي . وعبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني ، سمع عمه يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أصله مدني ، كان بالعراق ، سمع يعقوب هذا أباه إبراهيم بن سعد ، وكان على قضاء بغداد ، وسمع هو صالح بن كيسان الغفاري مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه ، وسمع هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج .
والحديث رواه مسلم من طريق أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه . قوله : اختصمت الجنة والنار إما مجاز عن حالهما المشابهة للخصومة ، وإما حقيقة بأن يخلق الله فيهما الحياة والنطق ونحوهما ، واختصامهما هو افتخار بعضهما على بعض بمن يسكنهما ، وفي رواية مسلم : احتجت النار والجنة وفي لفظ آخر تحاجت النار والجنة . قوله : فقالت الجنة يا رب ما لها هو على طريقة الالتفات وإلا فمقتضى الظاهر ما لي .
قوله : وسقطهم بالفتحتين الضعفاء الساقطون من أعين الناس ، وفي رواية مسلم بعد قوله : وسقطهم وعجزهم ، وفي رواية بعده وغرتهم وعجزهم بفتح العين المهملة والجيم جمع عاجز أي : العاجزون عن طلب الدنيا والتمكن فيها وضبط أيضا بضم العين وتشديد الجيم المفتوحة وهو أيضا جمع عاجز ، وغرتهم بكسر الغين المعجمة وتشديد الراء وبالتاء المثناة من فوق قال النووي : هذا هو الأشهر في نسخ بلادنا أي : البله الغافلون الذين ليس لهم حذق في أمور الدنيا . قوله : وقالت النار يعني أوثرت على صيغة المجهول أي : اختصصت وهذا مقول القول أبرزه في بعض النسخ بقوله : يعني أوثرت بالمتكبرين ولم يقع هذا في كثير من النسخ حتى قال ابن بطال : سقط قوله أوثرت هنا من جميع النسخ . وقال الكرماني : أين مقول القول ، ثم قال : قلت : مقدر معلوم من سائر الروايات ، وهو أوثرت بالمتكبرين .
قوله : وإنه ينشئ للنار من يشاء أي : يوجد ويخلق . وقال القابسي : المعروف في هذا الموضع أن الله ينشئ للجنة خلقا ، وأما النار فيضع فيها قدمه . قال : ولا أعلم في شيء من الأحاديث أنه ينشئ للنار خلقا إلا هذا ، وقال الكرماني : واعلم أن هذا الحديث مر في سورة ق بعكس هذه الرواية قال ثمة : وأما النار فتمتلئ ولا يظلم الله من خلقه أحدا ، وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا كذا في صحيح مسلم .
وقيل : هذا وهم من الراوي؛ إذ تعذيب غير العاصي لا يليق بكرم الله تعالى بخلاف الإنعام على غير المطيع ، ثم قال الكرماني : لا محذورا في تعذيب الله من لا ذنب له إذا القاعدة القائلة بالحسن والقبح العقليين باطلة ، فلو عذبه لكان عدلا . والإنشاء للجنة لا ينافي الإنشاء للنار والله يفعل ما يشاء فلا حاجة إلى الحمل على الوهم . قوله : فيلقون فيها على صيغة المجهول .
قوله : هل من مزيد قالها ثلاث مرات . قال الزمخشري : المزيد إما مصدر كالمجيد ، وإما اسم مفعول كالمبيع ، وقيل : هذا استفهام إنكار ، وإنه لا يحتاج إلى زيادتها . قوله : حتى يضع فيها قدمه هذا لفظ من المتشابهات ، والحكم فيه إما التفويض وإما التأويل ، فقيل : المراد به التقدم أي : يضع الله فيها من قدمه لها من أهل العذاب ، أو ثمة مخلوق اسمه القدم ، أو وضع القدم عبارة عن الزجر والتسكين لها كما يقال : جعلته تحت رجلي ووضعته تحت قدمي قوله : ويرد ، ويروى يزوي أي : يضم قوله : قط قط قط ثلاث مرات كذا وقع في بعض النسخ ، وفي بعضها مرتين ، وهو الأظهر ، ومعنى قط حسب وتكرارها للتأكيد وهي ساكنة الطاء مخففة ، ويروى قطي قطي أي : حسبي .