باب ذكر الله بالأمر وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والإبلاغ
باب ذكر الله بالأمر ، وذكر العباد بالدعاء والتضرع والرسالة والإبلاغ . أي : هذا باب في ذكر الله تعالى لعباده يكون بأمره لهم بعبادته ، والتزام طاعته ، ويكون مع رحمته لهم وإنعامه عليهم إذا أطاعوه أو بعذابه إذا عصوه . قوله : وذكر العباد له بأن يدعوه ويتضرعوا له ، ويبلغوا رسالته إلى الخلائق يعني : المراد بذكرهم الكمال لأنفسهم والتكميل للغير ، وقيل : الباء في قوله : بالأمر بمعنى مع قوله : والإبلاغ هذا هكذا في رواية غير الكشميهني ، وفي روايته والبلاغ .
لقوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ ٧١ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾احتج البخاري بقوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ أن العبد إذا ذكر الله بالطاعة يذكره الله عز وجل بالرحمة والمغفرة ، وعن ابن عباس في هذه الآية إذا ذكر العبد ربه وهو على طاعته ذكره برحمته ، وإذا ذكره وهو على معصيته ذكره بلعنته ، وذكر المفسرون فيها معاني كثيرة ليس هذا الموضع محل ذكرها . قوله : : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ قال ابن بطال : أشار إلى أن الله تعالى ذكر نوحا عليه السلام بما بلغ به من أمره ، وذكر بآيات ربه ، وكذلك فرض على كل نبي تبليغ كتابه وشريعته ، وقال المفسرون أي : يا محمد اقرأ على المشركين خبر نوح أي : قصته ، وفيه دليل على نبوته حيث أخبر عن قصص الأنبياء عليهم السلام ، ولم يكن يقرأ الكتب . قوله : إذ قال أي : حين قال لقومه : إن كان كبر أي : عظم وثقل وشق عليكم مقامي أي : مكثي بين أظهركم .
وقال الفراء : المقام بضم الميم الإقامة وبفتحها الموضع الذي يقوم فيه . قوله : وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ أي : عظتي وتخويفي إياكم عقوبة الله . قوله : فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ جواب الشرط ، وكان متوكلا على الله في كل حال ، ولكن بين أنه متوكل في هذا على الخصوص ليعلم قومه أن الله تعالى يكفيه أمرهم أي : إن لم تنصروني فإني أتوكل على من ينصرني .
قوله : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ من الإجماع وهو الإعداد والعزيمة على الأمر . قوله : وَشُرَكَاءَكُمْ أي : وأمر شركائكم أقام المضاف إليه مقام المضاف . قوله : غُمَّةً يأتي تفسيره الآن قوله : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ أي : ما في نفوسكم من مكروه ما تريدون .
قوله : وَلا تُنْظِرُونِ أي : ولا تمهلون . قوله : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ أي : أعرضتم عن الإيمان . فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ يعني لم يكن دعائي إياكم طمعا في مالكم .
قوله : إِنْ أَجْرِيَ إِلا عَلَى اللَّهِ أي : ما أجري وثوابي إلا على الله . قوله : وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أي : أن أنقاد لما أمرت به فلا يضرني كفركم وإنما يضركم . غمة هم وضيق فسر الغمة المذكورة في الآية بالهم والضيق يقال : القوم في غمة إذا غطى عليهم أمرهم والتبس ، ومنه غم الهلال أي : غشيه ما غطاه وأصله مشتق من الغمامة .
قال مجاهد : اقضوا إلي ما في أنفسكم يقال : افرق اقض أشار بهذا إلى تفسير مجاهد قوله : ثم اقضوا إلي ما في أنفسكم من إهلاكي ونحوه من سائر الشرور ، ووصل الفريابي هذا في تفسيره ، عن ورقاء بن عمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ اقضوا إلي ما في أنفسكم ، وحكى ابن التين اقضوا إلي افعلوا ما بدا لكم ، وقال غيره : أظهروا الأمر وميزوه بحيث لا تبقى شبهة ، ثم اقضوا بما شئتم من قتل أو غيره من غير إمهال . قوله : يقال : افرق اقض قيل : هذا ليس من كلام مجاهد بدليل قوله : يقال ، ويؤيده أيضا إعادة قوله بعده ، وقال مجاهد : وفي بعض النسخ ليس فيه لفظ يقال ، فعلى هذا يكون من قول مجاهد ، ومعناه أظهر الأمر وأفصله وميزه بحيث لا تبقى شبهة وسترة وكتمان ، ثم اقض بالقتل ظاهرا مكشوفا ولا تمهلني بعد ذلك . وقال مجاهد : وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله إنسان يأتيه فيستمع ما يقول ، وما أنزل عليه فهو آمن حتى يأتيه فيسمع كلام الله وحتى يبلغ مأمنه حيث جاءه قال ابن بطال : ذكر هذه الآية من أجل أمر الله تعالى نبيه بإجارة الذي يسمع الذكر حتى يسمعه ، فإن آمن فذاك وإلا فيبلغ مأمنه حتى يقضي الله فيه ما شاء .
قوله : إنسان يأتيه إلى آخره تفسير مجاهد قوله تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ أصله وإن استجارك أحد فحذف استجارك لدلالة استجارك الظاهر عليه قوله : إنسان أي : مشرك يعني إن أراد مشرك سماع كلام الله تعالى فأعرض عليه القرآن وبلغه إليه وأمنه عند السماع ، فإن أسلم فذاك وإلا فرده إلى مأمنه من حيث أتاك ، وتعليق مجاهد هذا وصله الفريابي بالسند الذي ذكرناه آنفا . النبأ العظيم القرآن هو تفسير مجاهد أيضا ، وقال الكرماني : أي : ما قال جل جلاله : عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾أي : القرآن فأجب عن سؤالهم وبلغ القرآن إليهم قال ابن بطال : سمي نبأ لأنه ينبأ به ، والمعنى إذا سألوا ﴿عن النبأ العظيم ﴾فأجبهم وبلغ القرآن إليهم ، وقيل : حق الخبر الذي يسمى نبأ أن يتعرى عن الكذب . صوابا حقا في الدنيا وعمل به أشار به إلى ما في قوله تعالى : لا يَتَكَلَّمُونَ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا أي : قال حقا في الدنيا وعمل به ، فإنه يؤذن له في القيامة بالتكلم ، وهذا وصله الفريابي أيضا بسنده المذكور ، ووجه مناسبة ذكره هذا ههنا على عادته أنه إذا ذكر آية مناسبة للمقصود يذكر معها بعض ما يتعلق بتلك السورة التي فيها تلك الآية مما ثبت عنده تفسيره ونحوه على سبيل التبعية .