باب حُسْنُ الْجِوَارِ وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ مِنَ الإِْيمَانِ
[ 38 ] وَعَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ . وَفِي أُخْرَى : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلاَ يُؤْذِ جَارَهُ . و ( قوله : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أو لِيَصْمُتْ ) .. .
الحديثَ . يعني : مَنْ كان يؤمنُ بالله الإيمانَ الكامل ، المُنْجِيَ مِنْ عذاب الله ، المُوصِلَ إلى رضوان الله ؛ لأنَّ مَنْ آمَنَ بالله حَقَّ إيمانه ، خاف وعيدَه ورجا ثوابَه ، ومَنْ آمنَ باليومِ الآخر ، استعدَّ له ، واجتهَدَ في فعل ما يدفَعُ به أهوالَهُ ومكارهه ، فيأتمرُ بما أُمِرَ به ، وينتهي عما نُهِيَ عنه ، ويتقرَّبُ إلى الله تعالى بفعلِ ما يقرِّبُ إليه ، ويعلمُ أَنَّ مِنْ أهمِّ ما عليه ضَبْطَ جوارحه التي هي رعاياه ، وهو مسؤولٌ عنها جارحةً جارحةً ؛ كما قال تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا و : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾، وأنَّ مِنْ أكثرِ المعاصي عددًا ، وأيسرها فعلاً : معاصيَ اللسان ، وقد استقرَأَ المحاسِبُونَ لأنفسهم آفاتِ اللسان ، فوجدوها تُنَيِّفُ على العشرين . وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا جملةً ؛ فقال : وَهَل يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلاَّ حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ .
وقال : كُلُّ كَلاَمِ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ ، إِلاَّ ذِكْرُ اللهِ تَعَالَى ، أو أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ ، أو نَهيٌ عَنْ مُنْكَرٍ . وقال : إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يُلْقِي لَهَا بَالاً ، يَهوِي بِهَا فِي النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا . فَمَنْ علم ذلك ، وآمَنَ به حقَّ إيمانه ، اتَّقَى اللهَ في لسانه ، فيتكلَّمَ إذا غنم ، ويسَكَتَ إذا سْلَمَ .
و ( قوله : وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ) الضَّيْفُ : هو القادمُ على القومِ النازلُ بهم ، ويقال : ضَيْفٌ ، على الواحد والجمع ، ويجمع أيضًا على : أضياف ، وضُيُوف ، وضِيفَان ، والمرأة ضَيفٌ ، وضَيفَةٌ ، وأَضَفْتُ الرَّجُلَ وضَيَّفْتُهُ : إذا أنزلتَهُ بك ضَيْفًا ، وضِفْتُ الرجلَ ضِيَافةً : إذا نَزَلْتَ عليه ، وكذلك تَضَيَّفْتُهُ . والضيافةُ : مِنْ مكارم الأخلاقِ ، ومن مَحَاسِنِ الدين ، ومِنْ خُلُق النبيِّين ، وليستْ بواجبةٍ عند عامَّةِ أهل العلم خلا اللَّيْث ؛ فإنه أوجبها ليلةً واحدة ؛ محتجًّا بقوله - عليه الصلاة والسلام - : لَيْلَة الضَّيْفِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ، وبقوله : إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِحَقِّ الضَّيْفِ فَاقْبَلُوهُ ، َوإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا ، فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ . وحُجَّةُ الجمهور : قوله - عليه الصلاة والسلام - : جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ، والجائزةُ : العطيَّةُ والصلةُ التي أصلُهَا على الندب ، وقلَّما يستعملُ مثلُ هذا اللفظ في الواجب .
وتأويل الجمهورُ أحاديثَ الليث بأنَّ ذلك كان في أولِ الإسلام ؛ إذْ كانت المواساةُ واجبة ، أو كان هذا للمجاهدين في أوَّلِ الإسلام ؛ لقلَّة الأزواد ، أو المرادُ به : مَنْ لزمته الضيافةُ من أهل الذمَّة . ثُمَّ اختلفوا فيمن يخاطَبُ بالضيافة : فذهب الشافعيُّ ، ومحمد بنُ عبد الحكم : إلى أن المخاطَبَ بها أهلُ الحضر والبادية . وقال مالكٌ وسُحْنون : إنما ذلك على أهلِ البوادي ؛ لتعذُّرِ ما يحتاجُ إليه المسافرُ في البادية ، ولتيسُّرِ ذلك على أهل البادية غالبًا ، وتعذُّرِهِ على أهل الحَضَرِ ومشقَّتِهِ عليهم غالبًا .
وقد رُوِيَ : الضَّيَافَةُ عَلَى أهل الْوَبَر ، وَلَيْسَتْ عَلَى أهل المَدَر .