حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب تَغْيِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ

) بَابٌ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ 49 - [ 39 ] وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ ، قَالَ : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ : مَرْوَانُ ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : الصَّلاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ : قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ؛ سَمِعْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ . ( 17 ) وَمِنْ بَابِ تَغْيِيرُ المُنْكَرِ مِنَ الإِيمَانِ ( قوله : أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ : مَرْوَانُ ) هذا أصحُّ ما رُوِيَ في أَوَّلِ من قدَّم الخطبةَ على الصلاة ، وقد رُوِيَ : أوَّلَ مَنْ فعل ذلك عمر ، وقيل : عثمان ، وقيل : ابن الزبير ، وقيل : معاوية رضي الله عنهم .

قال المؤلف رحمه الله تعالى : وبعيدٌ أن يصحَّ شيءٌ مِنْ ذلك عن مثل هؤلاء ؛ لأنَّهم شاهدوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وصلَّوْا معه أعيادًا كثيرة ، والصحيحُ المنقولُ عنه ، والمتواترُ عند أهل المدينة : تقديمُ الصلاة على الخطبة ؛ فكيف يَعْدِلُ أحد منهم عما فعله النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وداوَمَ عليه إلى أن توفِّي ؟ فإنْ صحَّ عن واحدٍ مِنْ هؤلاء أنَّه قدَّم ذلك ، فلعلَّه إنما فعله لمَا رأى من انصرافِ الناسِ عن الخُطْبة ، تاركين لسماعها مستعجلين ، أو ليدرك الصلاَة مَنْ تأخَّر وبَعُدَ منزلُهُ ، ومع هذين التأويلين ، فلا ينبغي أن تُتْرَكَ سنَّةُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لمثل ذلك ، وأولئك الملأُ أعلمُ وأجلُّ من أن يصيروا إلى ذلك ، والله أعلم . وأمَّا مَرْوان وبنو أمية ، فإنما قدَّموها ؛ لأنَّهم كانوا في خُطَبهم ينالون من عليٍّ - كرم الله وجهه - ويُسْمِعون الناسَ ذلك ، فكان الناسُ إذا صلَّوْا معهم ، انصرفوا عن سَمَاعِ خُطَبِهِمْ لذلك ، فلمَّا رأى مَرْوَانُ ذلك أو مَنْ شاء الله من بني أميَّة ، قدَّموا الخطبة ؛ لِيُسْمِعُوا الناسَ مِنْ ذلك ما يكرهون . والصوابُ : تقديمُ الصلاةِ على الخُطْبة ؛ كما تقدَّم ، وقد حكى فيه بعضُ علمائنا الإجماعَ .

و ( قوله : فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : الصَّلاَةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ، فَقَالَ أبو سَعِيدٍ : أَمَّا هَذَا ، فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ ) مقتضَى هذا السياق أن المُنْكِرَ على مَرْوان رجلٌ غيرُ أبي سعيد ، وأنَّ أبا سعيد مصوِّبٌ للإنكار ، مستدِلٌّ على صحته ، وفي الرواية الأخرى : أن أبا سعيد هو المنكرُ على مروان والمستَدِلُّ . ووجهُ التلفيقِ بينهما : أَنْ يقال : إنَّ كلَّ واحد مِنَ الرجل وأبي سعيد أنكَرَ على مروان ؛ فَرَأى بعضُ الرواةِ إنكارَ الرجل ، ورأى بعضهم إنكارَ أبي سعيد . وقيل : هما واقعتان في وقتَيْنِ ، وفيه بُعْدٌ .

وفيه من الفقه : أنَّ سنن الإسلامِ لا يجوزُ تغييرُ شيء منها ولا مِنْ ترتيبها ، وأنَّ تغييرَ ذلك منكَرٌ يجبُ تغييره ولو على الملوكِ إذا قُدِرَ على ذلك ، ولم يَدْعُ إلى منكرٍ أكبَرَ من ذلك . وعلى الجملة : فإذا تحقَّق المنكَرُ وجَبَ تغييرُهُ على مَنْ رآه ، وكان قادرًا على تغييره ؛ وذلك كالمُحْدَثَاتِ والبِدَع ، والمجمعِ على أنَّه منكَر ، فأمَّا إنْ لم يكنْ كذلك ، وكان مما قد صار إليه الإمام ، وله وجهٌ مَّا من الشرع ، فلا يجوزُ لمن رأى خلافَ ذلك أن يُنْكِرَ على الإمام ؛ وهذا لا يُخْتَلَفُ فيه . وإنما اختلف العلماء : فيمن قلَّده السلطانُ الحِسْبةَ في ذلك ، هل يَحْمِلُ الناسَ على رأيِِه ومذهبِهِ أم لا ؟ على قولَيْن .

و ( قوله : مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا ، فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ) هذا الأمرُ على الوجوب ؛ لأنَّ الأمرَ بالمعروفِ والنَّهيَ عن المنكر من واجباتِ الإيمان ، ودعائمِ الإسلام ، بالكتابِ والسنة وإجماع الأمة ، ولا يُعْتَدُّ بخلافِ الرافضة في ذلك ؛ لأنَّهم إمَّا مكفَّرون ؛ فليسوا من الأمة ، وإمَّا مبتدعون ؛ فلا يُعتَدَّ بخلافهم ؛ لظهور فِسْقهم ؛ على ما حقَّقناه في الأصول . ووجوبُ ذلك بالشرعِ لا بالعقل ؛ خلافًا للمعتزلة القائلين بأنَّه واجبٌ عقلاً ، وقد بيَّنَّا في الأصول أنَّه لا يجبُ شيءٌ بالعقل ، وإنما العقلُ كاشفٌ عن ماهيَّاتِ الأمور ، ومميِّزٌ لها ، لا مُوجِبٌ شيئًا منها . ثم إذا قلنا : إنَّ الأمر بالمعروفِ ، والنهيَ عن المنكر واجبٌ ، فذلك على الكفاية ، مَنْ قام به أجزَأَه عن غيره ؛ لقوله تعالى : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ولوجوبه شرطان : أحدهما : العلمُ بكون ذلك الفعلِ مُنْكَرًا أو معروفًا .

والثاني : القدرةُ على التغيير . فإذا كان كذلك ، تعيَّن التغييرُ باليد إنْ كان ذلك المُنْكَرُ مما يَحْتَاجُ في تغييره إليها ، مثلُ : كَسْرِ أواني الخمر ، وآلاتِ اللهو ؛ كالمزاميرِ والأوتاد والكبَرِ ، وكمنعِ الظالمِ من الضَّرْبِ والقتلِ وغيرِ ذلك ، فإنْ لم يَقْدِرْ بنفسه ، استعان بغيره ، فإنْ خاف من ذلك ثَوَرَانَ فتنةٍ ، وإشهارَ سلاح ، تعيَّن رفعُ ذلك ، فإنْ لم يَقْدِرْ بنفسه على ذلك ، غيَّر بالقولِ المرتجى نفعُهُ ، مِن لين أو إغلاظ ؛ حسَبَ ما يكونُ أنفع ، وقد يُبْلَغُ بالرِّفْقِ والسياسة ما لا يُبْلَغ بالسيف والرياسة . فإنْ خاف من القول القتل أو الأذى ، غيَّر بقلبه ، ومعناه : أن يكره ذلك الفعلَ بقلبه ، ويعزمَ على أنْ لو قدَرَ على التغيير لغيَّره .

وهذه آخرُ خَصْلَةٍ منَ الخصالِ المتعيِّنةِ على المؤمن في تغييرِ المُنْكَر ، وهي المعبَّرُ عنها في الحديث بأنَّها أضعفُ الإيمان ، أي : خصالِ الإيمان ، ولم يبق بعدها للمؤمنِ مرتبةٌ أخرى في تغيير المنكر ؛ ولذلك قال في الرواية الأخرى : لَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الإِْيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ ، أي : لم يبق وراءَ هذه المرتبةِ رتبةٌ أخرى ، والإيمانُ في هذا الحديث بمعنى الإسلام على ما تقدَّم . وفيه دليلٌ على أن مَنْ خاف على نفسه القتلَ أو الضرب سقَطَ عنه التغيير ، وهو مذهبُ المحقِّقين سَلَفًا وخَلَفًا ، وذهبتْ طائفةٌ من الغلاة : إلى أنه لا يسقُطُ وإن خاف ذلك ، وسيأتي استيفاءُ هذا المعنى في الجهاد إن شاء الله تعالى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث