باب لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو كَامِلُ الإِْيمَانِ
) بَابٌ لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو كَامِلُ الإِْيمَانِ 57- [ 47] عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وهو مُؤْمِنٌ ، وَلا يَنْتَهِبُ نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وهو مُؤْمِنٌ ، وَلاَ يَغُلُّ حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤْمِنٌ ، فَإِيَّاكُمْ إِيَّاكُمْ ! وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ . ذَكَرَهُ بِأَسَانِيدَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ . ( 20 ) وَمِنْ بَابٍ لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وهو كَامِلُ الإِْيمَانِ هذه الترجمةُ مشعرةٌ بأنَّ هذه الأحاديثَ المذكورةَ تحتها ليستْ على ظواهرها ، بل متأوَّلَةٌ ، وهي تحتملُ وجوهًا من التأويلات ؛ أحدُهَا : ما ذُكِرَ في الترجمة ، وسيأتي .
والزِّنَى في العُرْفِ الشرعيِّ : هو إيلاجُ فَرْجٍ محرَّمٍ ، في فرجٍ محرَّمٍ شرعًا ، مُشْتَهًى طَبْعًا ، مِنْ حيثُ هو كذلك ؛ فتحرَّزوا بمُشْتَهًى طبعًا من اللِّوَاطِ وإتيانِ البهيمة ، وبقولِهِ : مِنْ حَيْثُ هو كَذَلِكَ عن وَطْءِ المُحْرِمةِ والصائمةِ والحائض ؛ فإنَّه تحريم مِنْ جهةِ الموانعِ الخارجيَّة . و ( قوله : وَلا يَنْتَهِبُ أَحَدُكُمْ نُهبَةً ذَاتَ شَرَفٍ ) النُّهبَةُ والنُّهبَى : اسمٌ لما يُنْتَهَبُ من المال ، أي : يؤخذُ من غير قَسْمة ولا تقدير ، ومنه سُمِّيتِ الغنيمةُ نهبى ، كما قال : وَأَصَبْنَا نَهبَ إِبِلٍ ، أي : غنيمةَ إبل ؛ لأنَّها تؤخذُ من غير تقدير ، يقولُ العرب : أَنْهَبَ الرجلُ مالَهُ فانتهبُوهُ ونَهَبُوهُ وناهبوه ؛ قاله الجوهريُّ . وذَاتَ شَرَفٍ ، أي : ذاتَ قَدْرٍ ومالٍ ورفعة ، والروايةُ الصحيحةُ بالشين المعجمة ، وقد رواه الحربي : سَرَفٍ بالسين المهملة ، وقال : معناه : ذاتَ مقدارٍ كثير ينكره الناس ؛ كنَهبِ الفُسَّاق في الفِتَنِ الماَل العظيمَ القَدْرِ مما يستعظمُهُ الناس ، بخلافِ التمرةِ والفَلْسِ وما لا خطَرَ له .
ومقصودُ هذا الحديثِ : التنبيهُ على جميع أنواعِ المعاصي ، والتحذيرُ منها : فنبَّه بالزِّنَى على جميع الشهواتِ المحرَّمة ؛ كشهوةِ النَّظَرِ ، والكلامِ والسمعِ ، ولمسِ اليد ، ونَقْلِ الخُطَا إلى مثلِ تلك الشهوة ؛ كما قال - عليه الصلاة والسلام - : زِنَى العَيْنين النظرُ ، وزِنَى اللسانِ الكلامُ ، وزِنَى اليدِ البَطْشُ ، وزِنَى الرِّجْلِ الخُطَا ، والفَرْجُ يصدِّقُ ذلك أو يكذِّبه . ونَبَّه بالسَّرِقَةِ على اكتسابِ المال بالحِيَلِ الخفيَّة ، وبالنَّهبِ على اكتسابه على جهةِ الهَجْمِ والمغالبة ، وبالغلول : على أَخْذِهِ على جهة الخيانة ؛ هذا ما أشار إليه بعضُ علمائنا .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وهذا تنبيهٌ لا يتمشَّى إلاَّ بالمسامحة ، وأولَى منه أن يقال : إن الحديثَ يتَضَمَّنَ التحذيرَ عن ثلاثةِ أمور ، وهي مِنْ أعظمِ أصول المفاسد ، وأضدادُهَا مِنْ أُصولِ المصالح ، وهي استباحةُ الفروجِ المحرَّمةِ ، والأموالِ المحرَّمة ، وما يُؤَدِّي إلى الإخلال بالعقول ، وخَصَّ بالذِّكْر أغلبَ الأوجه حرمة التي يؤخذ بها مال الغير بغير الحق ، وظاهرُ هذا الحديث : حُجَّةٌ للخوارجِ والمعتزلةِ وغيرهم ممَّن يُخْرِجُ عن الإيمانِ بارتكابِ الكبائر ، غيرَ أنَّ أهلَ السنة يعارضونهم بظواهرَ أُخَرَى أولى منها ، كقولِهِ - عليه الصلاة والسلام - في حديث أبي ذَرٍّ : مَنْ مات لا يُشْرِكُ بالله شيئًا ، دَخَلَ الجنةَ وإنْ زنَى وإِنْ سرَقَ . وكقوله في حديثِ عُبَادَةَ بْنِ الصامت : ومَنْ أصاب شيئًا مِنْ ذلك - يعني : مِنَ القتلِ والسَّرق والزنى - فعُوقِبَ به ، فهو كَفَّارةٌ له ، ومَنْ لم يُعَاقَبْ ، فأمرُهُ إلى الله ؛ إنْ شَاءَ عفا ، وإنْ شَاءَ عَذَّبَهُ . ويعضُدُ هذا قولُهُ تعالى : إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ، ونَحْو هذا في الأحاديثِ كثيرٌ .
ولمَّا صحَّتْ هذه المعارضةُ ، تعيَّن تأويلُ تلك الأحاديثِ الأُوَلِ وما في معناها ، وقد اختلَفَ العلماءُ في ذلك ؛ فقال حَبْرُ القرآنِ عبد الله بنُ عبَّاس : إنَّ ذلك محمولٌ على المستحِلِّ لتلك الكبائر . وقيل : معنى ذلك : أنَّ مرتكبَ تلك الكبائرِ يُسْلَبُ عنه اسمُ الإيمانِ الكاملِ أو النافعِ ، الذي يفيدُ صاحبَهُ الانْزِجَارَ عن هذه الكبائر . وقال الحسن : يُسْلَبُ عنه اسمُ المدح الذي سمَّي به أولياءُ اللهِ المؤمنون ، ويَستَحِقُّ اسمَ الذمِّ الذي سمَّي به المنافقون والفاسقون .
وفي البخاري : عن ابن عبَّاس : يُنْزَعُ منه نُورُ الإيمان . ورَوَى في ذلك حديثًا مرفوعًا ، فقال : مَنْ زَنَى ، نزَعَ اللهُ نُورَ الإيمانِ مِنْ قلبه ، فإنْ شاء أن يَرُدَّهُ إليه ، رَدَّهُ .
قال المؤلف رحمه الله تعالى : وكُلُّ هذه التأويلاتِ حسنةٌ ، والحديثُ قابلٌ لها ، وتأويلُ ابن عبَّاس هذا أحسنُهَا . و ( قوله : وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ ) هذا منه - صلى الله عليه وسلم - إرشادٌ لمن وقَعَ في كبيرة أو كبائرَ إلى الطريقِ التي بها يتخلَّصُ ، وهي التوبةُ . ومعنى كونها معروضةً ، أي : عرَضَهَا الله تعالى على العباد ، حيثُ أمرهم بها وأوجَبَهَا عليهم ، وأخْبَرَ عن نفسه أنَّه تعالى يقبلُهَا ؛ كلُّ ذلك فَضْلٌ من الله تعالى ، ولُطْفٌ بالعبد ؛ لِمَا عَلِمَ الله تعالى مِنْ ضَعْفِهِ عن مقاومةِ الحواملِ على المخالفاتِ ، التي هي : النفسُ والهوَى ، والشيطانُ الإنسيُّ والجِنِّيُّ ، فلمَّا عَلِمَ الله تعالى أنَّه يقع في المخالفات ، رحمه بِأَنْ أرشدَهُ إلى التوبة ، فعرَضَهَا عليه وأوجبها ، وأخبَرَ بِقَبُولها .
وأيضًا : فإنَّه يجبُ على النُصَحاءِ أنْ يعرضوها على أهل المعاصي ويُعرِّفوهم بها ، ويوجبوها عليهم ، وبعقوبةِ الله تعالى لِمَنْ تركها ، وذلك كلُّه لطفٌ مُتَّصِلٌ إلى طلوع الشمس مِنْ مغربها ، أو إلى أن يُغَرْغِرَ العبدُ ؛ كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . و بَعْدُ : ظرفٌ مبنيٌّ على الضمِّ ؛ لقطعِهِ عن الإضافة لَفْظًا ، وإرادةِ المضافِ ضِمْنًا ، ويقابلها قَبلُ ؛ كما قال الله تعالى : لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ .