باب أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ وَذِكْرِ الكَبَائِرِ
[ 70 ] وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ، قِيلَ : يَا رَسُولَ اللهِ ، وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : الشِّرْكُ بِاللهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ . و ( قوله : اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَاتِ ) أي : المُهلِكات ، جمعُ مُوبِقَةٍ من أَوْبَقَ . وَوَابقَة : اسم فاعل من وَبَقَ يَبِقُ وُبُوقًا : إذا هلَكَ ، والمَوْبِقُ : مَفْعِلٌ منه ، كالمَوْعِد : مَفْعِلٌ من الوعد ؛ ومنه قوله تعالى : وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا ، وفيه لغة ثانية : وَبِقَ ، بكسر الباء ، يَوْبَقُ بالفتح ، وَبَقًا ، وفيه لغة ثالثة : وَبِقَ يَبِقُ بالكسر فيهما ، وأوْبَقَهُ : أهلكه .
وسمّيت هذه الكبائرَ مُوبِقَاتٍ ؛ لأنَّها تُهلِكُ فَاعِلَهَا في الدنيا بما يترتَّب عليها من العقوبات ، وفي الآخرة مِنَ العذاب . ولا شكَّ في أنَّ الكبائرَ أكثَرُ مِنْ هذه السبع ؛ بدليلِ الأحاديثِ المذكورة في هذا الباب وفي غيره ؛ ولذلك قال ابن عباس حين سئل عن الكبائر ، فقال : هي إلى السبعينَ أقرَبُ منها إلى السبع ، وفي رواية عنه : هي إلى سبعمائةٍ أقرَبُ منها إلى سبع . وعلى هذا : فاقتصارُهُ - عليه الصلاة والسلام - على هذه السبعِ في هذا الحديث يَحْتملُ : أن تكونَ لأنَّها هي التي أُعْلِمَ بها في ذلك الوقت بالوحي ، ثُمَّ بعد ذلك أُعْلِمَ بغيرها .
ويَحْتملُ أن يكون ذلك ؛ لأنَّ تلك السبع هي التي دعت الحاجةُ إليها في ذلك الوقت ، أو التي سُئِلَ عنها في ذلك الوقت ؛ وكذلك القولُ في كُلِّ حديثٍ خَصَّ عددًا من الكبائر ، والله تعالى أعلم . وقد اختلفَ العلماءُ قديمًا وحديثًا في الكبائر ما هي ؟ وفي الفرق بينها وبين الصغائر ، فرُوِيَ عن ابن مسعود : أنَّ الكبائر : جميعُ ما نهى الله عنه من أوَّلِ سورةِ النساء إلى قوله : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ . وعن الحسن : أنَّها كُلُّ ذنبٍ ختمه اللهُ بنارٍ أو غضبٍ أو لعنةٍ أو عذاب .
وقيل : هي كلُّ ما أوعَدَ اللهُ عليه بنارٍ ، أو بِحَدٍّ في الدنيا . وروي عن ابن عباس : أنَّها كُلُّ ما نَهَى الله عنه .
قال المؤلف - رحمه الله - : وما أظنُّه صحيحًا عنه ؛ لأنَّه مخالفٌ لما في كتابِ الله تعالى من التفرقةِ بين المنهيَّاتِ ، فإنَّه قد فرَّق بينها في قوله تعالى : إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وقوله : الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ؛ فجعَلَ من المنهيَّات : كبائِرَ وصغائر ، وفرَّق بينهما في الحُكْمِ لمَاَّ جعَلَ تكفيرَ السيئاتِ في الآيةِ مشروطًا باجتنابِ الكبائر ، واستثنى اللَّمَمَ مِنَ الكبائرِ والفواحشِ ؛ فكيف يَخْفَى هذا الفَرْقُ على مثل ابن عباس وهو حَبْرُ القرآن ؟! فتلك الروايةُ عن ابن عباس ضعيفةٌ ، أو لا تصحُّ ، وكذلك أكثَرُ ما روي عنه ؛ فقد كذَبَ الناسُ عليه كثيرًا .
قال المؤلف - رحمه الله - : والصحيحُ إنْ شاء الله تعالى : أنَّ كلَّ ذنب أطلَقَ الشرعُ عليه أنَّهُ كبيرٌ أو عظيمٌ ، أو أخبَرَ بشدَّةِ العقابِ عليه ، أو علَّق عليه حَدًّا ، أو شَدَّدَ النكيرَ عليه وغلَّظه ، وشَهِدَ بذلك كتابُ اللهِ أو سنةٌ أو إجماعٌ : فهو كبيرة . والنظَرُ في أعيانِ الذنوب نظَرٌ طويلٌ لا يليق بهذا الكتاب ، وسيأتي القولُ في السحر ، إن شاء الله تعالى . والزَّحْفُ : القتال ، وأصله : المشيء المتثاقل ؛ كالصَّبِيِّ يَزْحَفُ قبل أن يمشي ، والبعيرِ إذا أعيا ؛ فَجَرَّ فرَسَنَهُ ، وقد سُمِّيَ الجيشُ بالزَّحْف ؛ لأنَّه يُزْحَفُ فيه .
والتَّوَلِّي عن القتال : إنما يكون كبيرةً إذا فَرَّ إلى غير فئة ، وإذا كان العدو ضِعْفَيِ المسلمين ؛ على ما يأتي في الجهاد إن شاء الله تعالى . وقَذْفُ المُحْصَنَاتِ : رَمْيُهُنَّ بالزنى ، والإحصانُ هنا : العِفَّةُ عن الفواحش ، وسيأتي ذكرُهُ ، والغَافِلاَتُ ، يعني : عمَّا رُمِينَ به مِنَ الفاحشة ، أي : هنَّ بريئات من ذلك ، لا خبَرَ عندهنَّ منه ، وسيأتي القولُ في الزنى .