حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ

‎( ‎30 ) بَابٌ لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ 91 - [ 72 ] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ : لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ، فقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا ، وَنَعْلُهُ حَسَنَةً ؟ قَالَ : إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ ؛ الْكِبْرُ : بَطَرُ الْحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ . وَفِي رِوَايَةٍ : لاَ يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ ، وَلاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ من خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرٍ . ( 30 ) وَمِنْ بَابٍ : لاَ يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ كِبْرٌ الكِبْرُ والكِبْرِيَاء في اللغة : هو العظمة ، يقال فيه : كَبُرَ الشيءُ ، بضمِّ الباء ، أي : عَظُمَ ، فهو كبيرٌ وكُبَار ، فإذا أفرَطَ قيل : كُبَّار ، بالتشديد ؛ وعلى هذا فيكونُ الكِبْرُ والعظمةُ اسمَيْن لمسمًّى واحد .

وقد جاء في الحديث ما يُشْعِر بالفرق بينهما ؛ وذلك أنَّ الله تعالى قال : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، والْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا ، قَصَمْتُهُ ؛ فقد فرَّق بينهما بأنْ عبَّر عن أحدهما بالإزار ، وعن الآخر بالرداء ، وهما مختلفان ، ويَدُلُّ أيضًا على ذلك قوله : فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا ؛ إذ لو كانا واحدًا ، لقال : فمَنْ نازعنيه . فالصحيحُ إِذَنِ الفرقُ ، ووجهُهُ : أنَّ جهة الكِبْرِيَاءَ : يستدعي متكبَّرًا عليه ؛ ولذلك لمَّا فسَّر الكِبْرَ ، قال : الْكِبْرُ : بَطَرُ الحَقِّ ، وَغَمْطُ النَّاسِ ، وهو احتقارُهُمْ ، فذكَرَ المتكبَّرَ عليه ، وهو الحقُّ أو الخَلْقُ ، والعَظَمَةُ : لا تقتضي ذلك . فالمتكبِّرُ يلاَحِظ ترفعَ نفسِهِ على غيره بسببِ مزيَّةِ كمالها فيما يراه ، والمعظِّمُ يلاَحِظ كمالَ نفسه مِنْ غير ترفعٍ لها على غيره ، وهذا التعظيمُ هو المعبَّرُ عنه بالعُجْبِ في حقِّنا إذا انْضَاف إليه نِسْيانُ مِنَّةِ الله تعالى علينا فيما خصَّنا به مِنْ ذلك الكمال .

وإذا تقرَّر هذا : فالكِبْرِيَاءُ والعَظَمَةُ مِنْ أوصافِ كمالِ الله تعالى واجبان له ؛ إذْ ليست أوصافُ كمالِ الله وجلالُهُ مُستفادةً مِنْ غيره ، بل هي واجبة الوجود لذواتها ، بحيثُ لا يجوزُ عليها العدَمُ ولا النقص ، ولا يجوزُ عليه تعالى نقيضُ شيءٍ من ذلك ، فكمالُهُ وجلالُهُ حقيقةٌ له ؛ بخلاف كمالنا ، فإنَّه مستفادٌ مِنَ الله تعالى ، ويجوزُ عليه العدَمُ وطروءُ النقيضِ والنقصِ . وإذا كان هذا ، فالتكبُّرُ والتعاظُمُ خُرْقٌ مِنَّا ، ومستحيلٌ في حقِّنا ؛ ولذلك حرَّمهما الشرع ، وجعلهما من الكبائر ؛ لأنَّ مَنْ لاحظَ كمالَ نفسه ناسيًا مِنَّةَ الله تعالى فيما خصَّه به ، كان جاهلاً بنفسه وبربِّه ، مغترًّا بما لا أصلَ له ، وهي صفةُ إبليسَ الحاملةُ له على قوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ وصفةُ فرعونَ الحاملةُ له على قوله : أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ولا أقبَحَ ممَّا صارا إليه ؛ فلا جَرَمَ كان فرعونُ وإبليسُ أَشَدَّ أهلِ النار عذابًا ؛ نعوذ بالله من الكِبْرِ والكفر . وأمَّا مَنْ لاحظ مِنْ نفسه كمالاً ، وكان ذاكرًا فيه مِنَّةَ الله تعالى عليه به ، وأنَّ ذلك مِن تفضُّله تعالى ولطفه ، فليس مِنَ الكِبْرِ المذمومِ في شيء ، ولا مِنَ التعاظُمِ المذموم ، بل هو اعترافٌ بالنعمة ، وشُكْرٌ على المِنَّة .

والتحقيقُ في هذا : أنَّ الخَلْقَ كلَّهم قوالبُ وأشباح ، تجري عليهم أحكامُ القُدْرة ؛ فمَنْ خصَّه الله تعالى بكمالٍ ، فذلك الكمالُ يرجعُ للمكمِّلِ الجاعل ، لا للقالَبِ القابل . ومع ذلك : فقد كمَّل الله الكمالَ بالجزاءِ والثناءِ عليه ؛ كما قد نقَصَ النقصَ بالذمِّ والعقوبةِ عليه ، فهو المُعْطِي والمُثْنِي ، والمُبْلِي والمعافي ؛ كيف لا وقد قال العليُّ الأعلى : أَنَا اللهُ خَالِقُ الخَيْرِ وَالشَّرِّ ؛ فَطُوبَى لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلْخَيْرِ وَقَدَرْتُهُ عَلَيْهِ ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ خَلَقْتُهُ لِلشَّرِّ وَقَدَرْتُهُ عَلَيْهِ ؛ فلا حِيلَةَ تعمل مع قهر ؛ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ . ولمَّا تقرَّر أنَّ الكِبْرَ يستدعي متكبَّرًا عليه ، فالمتكبَّرُ عليه إنْ كان هو اللهَ تعالى ، أو رُسُولَهُ ، أو الحَقَّ الذي جاءتْ به رسلُهُ ؛ فذلك الكِبْرُ كُفْر .

وإن كان غَيْرَ ذلك ؛ فذلك الكِبْرُ معصيةٌ وكبيرة ، يُخَافُ على المتلبِّس بها المُصِرِّ عليها أنْ تُفْضِيَ به إلى الكُفْر ، فلا يدخُلُ الجنَّة أبدًا . فإن سَلِمَ مِنْ ذلك ، ونفَذَ عليه الوعيد ، عوقبَ بالإذلالِ والصَّغَارْ ، أو بما شاء اللهُ مِنْ عذابِ النارْ ، حتَّى لا يبقى في قلبه مِنْ ذلك الكِبْرِ مثقالُ ذَرَّة ، وخَلُصَ من خَبَثِ كِبْره حتى يصيرَ كالذَّرَّة ؛ فحينئذ يتداركُهُ الله برحمتِه ، ويخلِّصُهُ بإيمانِهِ وبركتِه . وقد نصَّ على هذا المعنى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في المحبوسين على الصِّرَاط لما قال : حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا ، أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الجَنَّةِ ، والله تعالى أعلم .

و ( قوله : إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الجَمَالَ ) : الجمالُ لغةً : هو الحُسْنُ ؛ يقال : جَمُلَ الرجلُ يَجْمُلُ بالضمِّ ، جَمَالاً ؛ فهو جميلٌ ، والمرأةُ جميلة ، ويقال : جَمْلاَءُ عن الكِسائيِّ . وهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ الجميل مِنْ أسماء الله تعالى ، وقال بذلك جماعةٌ من أهل العلم ، إلاَّ أنَّهم اختلفوا في معناه : فقيل : معناه معنى الجليل ؛ قاله القشيريُّ . وقيل : معناه ذو النُّورِ والبهجة ، أي : مالكُهُمَا ؛ قاله الخَطَّابيّ .

وقيل : جميلُ الأفعالِ بكُمْ والنظرِ إليكم ؛ فهو يُحِبُّ التجمُّلَ منكم في قلَّةِ إظهارِ الحاجة إلى غيره ؛ قاله الصَّيْرَفيُّ . وقال : الجميلُ : المنزَّهُ عن النقائص ، الموصوفُ بصفاتِ الكمال ، الآمِرُ بالتجمُّلِ له بنظافةِ الثياب والأبدان ، والنزاهةِ عن الرذائلِ والطغيان ، وسيأتي القولُ في أسماء الله تعالى . وبَطَرُ الحقِّ : إبطالُهُ ؛ من قول العرب : ذهَبَ دمُهُ بِطْرًا وبُطرًا ؛ أي : باطلاً .

وقال الأصمعيُّ : البَطَرُ : الحَيْرة ، أي : يتحيَّرُ عند الحقِّ ؛ فلا يراه حَقًّا . وغَمْطُ النَّاسِ : احتقارُهُمْ واستصغارهم ؛ لما يرى مِنْ رِفْعته عليهم ، وهو بالغين المعجمة والطاء المهملة . ويُرْوَى : غَمْص بالصاد المهملة في كتاب الترمذي ، ومعناهما واحد ؛ يقال : غَمَطَ الناسَ وغَمَصَهُمْ : إذا احتقرهم .

والمِثْقَالُ : مِفعالٌ من الثِّقَلِ ، ومِثقالُ الشيء : وزنه ، يقال : هذا على مِثْقَالِ هذا ، أي : على وزنه . والمرادُ بالإيمان في هذا الحديث : التصديقُ القلبيُّ المذكورُ في حديث جبريل ، ويُستفادُ منه : أنَّ التصديق القلبيَّ على مراتب ، ويزيدُ وينقصُ ؛ على ما يأتي في حديث الشفاعة ، إن شاء الله تعالى . وهذه النارُ المذكورةُ هنا : هي النارُ المُعَدَّةُ للكفَّارِ التي لا يُخْرَجُ منها مَنْ دخلها ؛ لأنَّه قد جاء في أحاديثِ الشفاعةِ المذكورةِ بعد هذا أنَّ خَلْقًا كثيرًا ممَّن في قلبه ذَرَّاتٌ كثيرةٌ من الإيمانِ يدخلون النار ، ثُمَّ يُخْرَجون منها بالشفاعة أو بالقَبْضة ؛ على ما يأتي ، ووجهُ التلفيق : أنَّ النارَ دَرَكَاتٌ ؛ كما قال الله تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وأهلُهَا في العذاب على مراتبَ ودَرَكاتٍ ؛ كما قال الله تعالى : أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ، وأنَّ نارَ مَنْ يعذَّبُ من الموحِّدين أخفُّها عذابًا ، وأقرَبُهَا خروجًا ؛ فمَنْ أُدْخِلَ النارَ من الموحِّدين ، لم يُدْخَلْ نار الكفَّار ، بل نارًا أخرى يموتون فيها ، ثُمَّ يُخْرَجون منها ؛ كما جاء في الأحاديث الصحيحة الآتية بعد هذا ، إن شاء الله تعالى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث