باب يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الإِْسْلاَمِ وَلاَ يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ
( 32 ) بَابٌ يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الإِْسْلاَمِ ، وَلاَ يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ 95- [ 75] عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِ ؛ أَنَّهُ قَالَ : يَا رسولَ الله ، أَرَأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلاً مِنَ الْكُفَّارِ ، فَقَاتَلَنِي ، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا ، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ، فَقَالَ : أَسْلَمْتُ لِلّهِ ، أَفَأَقْتُلُهُ يَا رسولَ الله ، بَعْدَ أَنْ قَالَهَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَقْتُلْهُ ، قَالَ : فَقُلْتُ : يَا رسولَ الله ، إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ، ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَعَهَا ، أَفَأَقْتُلُهُ ؟ قَالَ رَسُولُ الله ِ- صلى الله عليه وسلم - : لاَ تَقْتُلْهُ ؛ فَإِنْ قَتَلْتَهُ ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَلَمَّا أَهوَيْتُ لأَِقْتُلَهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ . ( 32 ) وَمِنْ بَابٍ يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الإِْسْلاَمِ ، وَلاَ يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ ( قوله : أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الكُفَّارِ ، فَقَاتَلَنِي ؟ ) دليلٌ على جوازِ السؤالِ عن أحكامِ النوازلِ قبل وقوعها .
وقد رُوِيَ عن بعضِ السلف : كراهيَةُ الكلامِ في النوازلِ قبل وقوعها ، وهذا إِنَّما يُحْمَلُ على ما إذا كانتْ تلك المسائلُ مما لا تقَعُ ، أو تقعُ نادرًا ، فأمَّا ما يتكرَّر من ذلك ، ويكثُرُ وقوعه : فيجبُ بيانُ أحكامِهَا على مَنْ كانتْ له أهليةُ ذلك ، إذا خِيفَ الشُّغُور عن المجتهدين والعلماءِ في الحالِ أو في الاستقبال ؛ كما قد اتَّفَقَ عليه أئمَّةِ المسلمين مِنَ السلف : لما توقَّعوا ذلكْ ، فرَّعوا الفروعَ ودوَّنوها وأجابوا عما سُئِلُوا عنه مِنْ ذلكْ ؛ حِرْصًا على إظهارِ الدِّينْ ، وتقريبًا على مَنْ تعذَّرَتْ عليه شروطُ الاجتهادِ مِنَ اللاحقينْ . و ( قوله : لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ) أي : استتَرَ ؛ يقال : لاَذَ يَلُوذُ لِوَاذًا : إذا استتَرَ ، والمَلاَذُ : ما يُسْتَتَرُ به . و ( قوله : أَسْلَمْتُ لِلّهِ ) أي : دخلْتُ في دينِ الإسلامِ ، وتَدَيَّنْتُ به .
وفيه : دليلٌ على أَنَّ كلَّ مَنْ صدَرَ عنه أمرٌ مَّا يدُلُّ على الدخولِ في دينِ الإسلامِ مِنْ قولٍ أو فعل ، حُكِمَ له لذلك بالإسلام ، وأنَّ ذلك ليس مقصورًا على النطقِ بكلمتَيِ الشهادة . وقد حكَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بإسلامِ بني جَذِيمة الذين قتلهم خالدُ بنُ الوليد ، وهم يقولون : صَبَأْنَا صَبَأْنَا ، ولم يُحْسِنُوا أن يقولوا : أَسْلَمْنَا ، فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قال : اللَّهُمَّ ، إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ ، رافعًا يدَيْهِ إلى السماء ، ثم وَدَاهُمْ . على أنَّ قوله في هذه الرواية : أَسْلَمْتُ لِلّهِ يَحْتملُ أن يكونَ ذلك نقلاً بالمعنى ، فيكونُ بعض الرواة عبَّر عن قوله : لا إله إلا الله بأَسْلَمْتُ ؛ كما قد جاء مفسَّرًا في رواية أخرى قال فيها : فَلَمَّا أَهوَيْتُ لأَِقْتُلَهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ .
وأَهوَيْتُ : مِلْتُ لقتله ؛ قال الجوهريُّ : أهوَى إليه بيده ليأخذه ، وقال الأصمعيُّ : أهوَيْتُ بالشيءِ : إذا أومأْتُ إليه ، ويقال : أهوَيْتُ له بالسيف ، فأمَّا هَوَى ، فمعناه : سقَطَ إلى أسفل ، ويقال : انهوى بمعناه ، فهو مُنْهَوٍ . و ( قوله : إِنْ قَتَلْتَهُ ، فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ) يعني ، والله أعلم : أنَّه بمنزلتِكَ في عِصْمة الدم ؛ إذْ قد نطَقَ بما يوجبُ عصمتَهُ من كلمتَيِ الإسلام . و ( قوله : وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ ) ظاهره : في الكفر ، وليس ذلك بصحيح ؛ لأنَّه إنَّما قتله متأوِّلاً أنَّه باقٍ على كفره ؛ فلا يكونُ قتلُهُ كبيرةً ؛ وإذا لم يكنْ قتلُهُ كبيرةً ، لم يصحَّ لأحدٍ - وإنْ كان مكفِّرًا بالكبائر - أن يقول : هذا كُفْرٌ بوجه ؛ فدلَّ ذلك على أنَّه متأوِّل .
وقد اختُلِفَ في تأويله ؛ فقال أبو الحسنِ بنُ القَصَّار : هو مثلُهُ في كونِهِ غيرَ معصومِ الدمِ مُعَرَّضًا للقِصَاص .
قال المؤلف - رحمه الله - : وهذا ليس بشيء ؛ لانتفاء سَبَبِ القصاص ، وهو العَمْدُ العدوان ، وذلك منتفٍ هنا قطعًا ؛ لأنَّ المقدادَ تأوَّلَ ما تأوَّله أسامةُ بن زيد : أنَّه قال ذلك خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ ؛ أَلاَ تَرَى قولَ المقداد : إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي ، ثُمَّ لاَذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ ، فَلَمَّا أَهوَيْتُ لأَِقْتُلَهُ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله ؟ غير أنَّ هذا التأويلَ لم يُسْقِطْ عنهما التوبيخَ والذم ، ولا توقع المطالبةَ بذلك في الآخرة ؛ أَلاَ ترى قوله - عليه الصلاة والسلام - لأسامة : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟! ، وكرَّر ذلك عليه ، ولم يَسْتغفِرْ له مع سؤالِ أسامةَ ذلك من النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - . وإنما لم يُسْقِطْ عنه التوبيخَ والتأثيمَ وإنْ كان متأوِّلاً ؛ لأنَّه أخطَأَ في تأويله ؛ وعلى هذا : يمكنُ أن يحمل قوله : إِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ ، على أنَّه بمنزلتِهِ في استحقاقِ الذمِّ والتأثيم ، ويكونُ هذا هو التأويل الثاني فيه ، غير أنَّ الاستحقاقَ فيهما مختلفٌ ؛ فإنَّ استحقاقَ المقداد لذلك الاستحقاقُ مقصِّرٍ في اجتهاد مؤمن ، والآخَرُ استحقاقُهُ استحقاقُ كافر ، وإنما وقع التشبيهُ بينهما في مجرَّدِ الاستحقاقِ فقط ، والله أعلم . التأويلُ الثالث : أنَّه بمنزلتِهِ في إخفاءِ الإيمان ، أي : لعلَّه ممن كان يخفي إيمانَهُ بين الكفَّار ، فأُخْرِجَ مكرهًا كما كنتَ أنت بمكَّة ؛ إذْ كنتَ تُخْفِي إيمانك .
ويَعْتَضِدُ هذا التأويلُ : بما زاده البخاريُّ في هذا الحديث ، من حديث ابن عبَّاسٍ ؛ أنّه - عليه الصلاة والسلام - قال للمقداد : إِذَا كَانَ مُؤْمِنٌ يُخْفِي إِيمَانَهُ مَعَ قَوْمٍ كُفَّارٍ ، فَأَظْهَرَ إِيمَانَهُ فَقَتَلْتَهُ ؟ كذلك كُنْتَ تُخْفِي إيمانَكَ بمكة .