باب يُكْتَفَى بِظَاهِرِ الإِْسْلاَمِ وَلاَ يُبقَّرُ عَمَّا فِي القُلُوبِ
[ 76 ] وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، قَالَ : بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي سَرِيَّةٍ ، فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً ، فَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، فَطَعَنْتُهُ ، فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ ، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَقَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَقَتَلْتَهُ ؟! ، قَالَ : قُلْتُ : يَا رسولَ الله ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ ، قَالَ : أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟! فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَالَ : وَلِمَ قَتَلْتَهُ ؟ فقَالَ : يَا رسولَ الله ، أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ ، فَقَتَلَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا - وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا - وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ ، قَالَ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : أَقَتَلْتَهُ ؟! قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟! قَالَ : يَا رسولَ الله ، اسْتَغْفِرْ لِي ، فقَالَ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟! ، قَالَ : فَجَعَلَ لاَ يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟! . و ( قوله : فَصَبَّحْنَا الحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ ) رويناه بضم الراء وفتحها ، وهو موضعٌ معروفٌ من بلاد جُهَيْنَةَ ، يسمّى بجمع المؤنَّث السالم ؛ كعَرَفَات ، وأَذْرِعَات .
و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - لأسامة : أَقَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ، وَقَتَلْتَهُ ؟! ، وتكرارُ ذلك القولِ : إنكارٌ شديد ، وزجرٌ وكيد ، وإعراضٌ عن قبول عذر أسامة الذي أبداه بقوله : إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاَحِ . و ( قوله : أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟! ) أي : أقالها بقلبه ، وتكلَّمَ بها مع نفسه ، ففيه : دليلٌ لأهل السنَّة على أنَّ حديث النَّفْسِ كلام وقَوْل ؛ فهو رَدٌّ على مَنْ أنكَرَ ذلك من المعتزلةِ وأهلِ البدع . وفيه : دليلٌ على ترتيبِ الأحكامِ على الأسبابِ الظاهرة الجليَّة ، دون الباطنةِ الخفيَّة .
و ( قوله : فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ ، حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ ) أي : كلمةَ الإنكار ، وظاهرُ هذه الرواية : أنَّ الذي كُرِّرَ عليه إنَّما هو قولُهُ : أَفَلاَ شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لاَ ؟ ! ، وفي الرواية الأخرى أنَّ الذي كُرِّرَ عليه إنَّما هو قولُهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ ؟! ووجهُ التلفيقِ بينهما : أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كرَّر الكلمتَيْن معًا ، غيرَ أنَّ بعضَ الرواةِ ذكَرَ إحدى الكلمتَيْن ، وذكَرَ آخَرُ الأخرى . ومعنى قوله : كَيْفَ تَصْنَعُ بِلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ؟ ! أي : بماذا تحتجُّ إذا قيل لك : كيف قَتَلْتَ مَنْ قال : لا إله إلاَّ الله ، وقد حصلَتْ لدمِهِ حرمةُ الإسلام ؟! وإنَّما تمنَّى أسامةُ أن يتأخَّر إسلامُهُ إلى يوم المعاتبة ؛ لِيَسْلَمَ من تلك الجناية السابقة ، وكأنَّه استصغَرَ ما كان منه مِنَ الإسلامِ والعملِ الصالح قبل ذلك ، في جَنْب ما ارتكَبَه من تلك الجناية ؛ لِمَا حصَلَ في نفسه من شدَّةِ إنكارِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لذلك ، وعِظَمِهِ . فإنْ قيل : إذا استحال أن يكونَ قتلُ أسامةَ لذلك الرجلِ عمدًا لِمَا ذكرتم ، وثبَتَ أنَّه خطأ ، فلِمَ لم يُلْزِمْهُ الكَفَّارةَ ، والعاقلةَ الديةَ ؟ فالجوابُ : أنَّ ذلك مسكوتٌ عنه ، وغيرُ منقولٍ شيءٌ منه في الحديث ولا في شيءٍ من طرقه ؛ فيَحْتَمِلُ أن يكونَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حكَمَ بلزومِ ذلك أسامةَ وعاقلتِهِ ولم يُنْقَلْ ، وفيه بعد ؛ إذْ لو وقَعَ شيءٌ من ذلك ، لَنُقِلَ في طريقٍ من الطرق ، مع أنَّ العادة تقتضي التحدُّثَ بذلك والإشاعةَ .
وَيَحْتملُ أن يقال : إنَّ ذلك كان قبل نزولِ حُكْمِ الكفَّارة والدية ، والله أعلم . وقد أجاب أصحابنا عن عدمِ إلزامِ الدية بأجوبةٍ ، نذكُرُهَا على ضَعْفها : أحدها : إنَّها لم تَلْزَمْهُ ولا عاقلتَهُ ؛ لأنَّه كان مأذونًا له في أصل القتال ؛ فلا يكونُ عنه مِنْ إتلافِ نفسٍ أو مال ؛ كالخاتِنِ والطَّبِيب . وثانيها : إنَّما لم يَلْزَمْهُ ذلك ؛ لأنَّ المقتولَ كان من العدو وفيهم ، ولم يكنْ له وليٌّ من المسلمين يستحقّ ديته ، فلا تجبُ فيه ديةٌ ؛ كما قال الله تعالى : فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ولم يحكُمْ فيه بسوى الكفَّارة ؛ وهذا يتمشَّى على مذهب ابنِ عبَّاسٍ وجماعةٍ من أهل العلم في الآية .
وقد ذهب بعضهم : إلى أنَّ الآية فيمن كان أولياؤُهُ مُعَانِدين ، وقد ذُكِرَ عن مالك ، والمشهورُ عنه : أنها فيمَنْ لم يهاجِرْ من المسلمين ؛ لقوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا . وثالثها : أنَّ أسامةَ اعترَفَ بالقتل ، ولم تَقُمْ بذلك بيِّنة ، ولا تَعْقِلُ العاقلةُ عمدًا ولا عبدًا ، ولا صُلْحًا ولا اعترافًا ، ولم يكنْ لأسامةَ مالٌ فيكونَ فيه الديةُ .
قال المؤلف رحمه الله : وهذه الأوجُهُ لا تسلَمُ عن الاعتراض ، وتتبُّعُ ذلك يُخْرِجُ عن المقصود . ولم أجدْ لأحدٍ من العلماء اعتذارًا عن سقوطِ إلزامِ الكفارة ؛ فالأَوْلى التمسُّكُ بالاحتمالَيْن المتقدِّمَيْن ، والله أعلم .