باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا من كرامة الإسراء
) باب ما خَصَّ الله به محمدًا نبينا - صلى الله عليه وسلم - من كرامة الإسراء 162 - [ 131 ] عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ - وهو دَابَّةٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ ، فَوْقَ الْحِمَارِ ، وَدُونَ الْبَغْلِ ، يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ - . قَالَ : فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ . قَالَ : فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِها الأَنْبِيَاءُ .
قَالَ : ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ خَرَجْتُ ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ ، فَقَالَ جِبْرِيلُ : اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ . قَالَ : ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ .
قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . قَالَ : فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِآدَمَ ، فَرَحَّبَ بِي وَدَعَا لِي بِخيرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ .
قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . قال : فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِابْنَيِ الْخَالةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَيَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا - صلوات الله عليهما - فَرَحَّبَا وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ . فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ ، قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ .
فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ، إِذَا هو قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الْحُسْنِ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ، ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ هذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ، فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِدْرِيسَ ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ ، قَالَ اللهُ تَعالَى : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا ﴾.
ثُمَّ عَرَجَ بِنا إِلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ هذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ .
فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِهَارُونَ . قَالَ : فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ . ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، قِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ .
قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ . فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى ، فَرَحَّبَ وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ .
ثُمَّ عَرَجَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابعَةِ ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ، فَقِيلَ : مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : جِبْرِيلُ . قِيلَ : وَمَنْ مَعَكَ ؟ قَالَ : مُحَمَّدٌ . قِيلَ : وَقَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ ؟ قَالَ : قَدْ بُعِثَ إِلَيْهِ .
فَفُتِحَ لَنَا ، فَإِذَا أَنَا بِإِبْرَاهِيمَ مُسْنِدًا ظَهرَهُ إِلَى الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، وَإِذَا هو يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ إِلَيْهِ . ثُمَّ ذَهَبَ بِي إِلَى السِّدْرَةِ الْمُنْتَهَى ، فَإِذَا وَرَقُهَا كَآذَانِ الْفِيَلَةِ ، وَإِذَا ثَمَرُهَا كَالْقِلالِ . قَالَ : فَلَمَّا غَشِيَهَا مِنْ أَمْرِ اللهِ مَا غَشِيَ تَغَيَّرَتْ ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَنْعَتَهَا مِنْ حُسْنِهَا .
فَأَوْحَى اللهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى ، فَفَرَض عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . فَنَزَلْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقَالَ : مَا فَرَضَ رَبُّكَ عَلَى أُمَّتِكَ ؟ قُلْتُ : خَمْسِينَ صَلاةً . قَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لا يطِيقون ذَلِكَ ، فَإِنِّي قدْ بَلَوْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَخَبَرْتُهُمْ .
قَالَ : فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي ، فَقُلْتُ : يَا رَبِّ ! خَفِّفْ عَلَى أُمَّتِي ، فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا . فَرَجَعْتُ إِلَى مُوسَى ، فَقُلْتُ : حَطَّ عَنِّي خَمْسًا . قَالَ : إِنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ ، فَارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ .
قَالَ : فَلَمْ أَزَلْ أَرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي وَبَيْنَ مُوسَى ، حَتَّى قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ! إِنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، لِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا . وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا ، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً . قَالَ : فَنَزَلْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى مُوسَى ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ : ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ .
( 56 ) ومن باب ما خص الله به محمدا نبينا - صلى الله عليه وسلم - من كرامة الإسراء و ( قوله في صفة البُراق : دابّة أبيض طويل ) جاء بوصف المذكَّر ؛ لأنّه وصفٌ للبراق ، ولو أتى به على لفظ الدابّة ، لقال : طويلة . والبُراق مشتقّ من البرْق ، قاله ابنُ دُرَيد . وقيل : هو من الشاة البَرْقاء إذا كان في خلال صُوفِها الأبيض طاقاتٌ سودٌ ، ومن هذا قوله - عليه الصلاة والسلام - : أَبْرِقوا ، فإنّ دم عفراء عند الله أزكى من دم سَوْدَاوَينِ ؛ أي : ضَحُّوا بالبرقاء ، وهي العفراء هنا ؛ فإنّ العفرة بياضٌ يخالطه يسيرُ صُفْرَةٍ .
و ( قوله : عند منتهى طَرْفِه ) بسكون الراء ، وهو العين ، يعني أنّه سريعٌ بعيدُ الخطْو . و ( قوله : أصبتَ الفِطْرَة ) أصل الفطرة : ابتداء الخِلْقَةِ ، ومنه : فطر ناب البعير ، إذا ابتدأ خروجه ، ومنه : قول الأعرابيّ المتحاكِم إلى ابن عبّاس في البئر : أنا فَطَرْتُها ، أي : ابتدأتُ حفْرَها . وقيل في قوله تعالى : فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ؛ أي : جِبِلَّة الله التي جَبَلَهم عليها من التهيُّؤ لمعرفته والإقرار به .
وقيل : هي ما أخَذ عليهم في ظهر آدم - عليه السلام - من الاعتراف بربوبيّته . وقيل : الفطرة الإسلام ؛ لأنّه الذي تقتضيه فطرة العقل ابتداءً . وقد حُمِل على هذا قولُه - عليه الصلاة والسلام - : كلّ مولود يُولَدُ على الفطرة .
الحديث ، وقد نصّ على هذا في حديث آخر ، فقال : جَبَلَ اللهُ الخلْقَ على معرفته فاجتالتْهم الشياطين . وكأن معنى الحديث أنّه لمّا مال إلى ما يُتناوَل بالجبلَّة والطبع وما لا ينشأ عنه مفسدةٌ وهو اللبن ، وعدل عمّا ليس كذلك مما يتَوَقَّعُ منه مفسدة أو من جنسه ، وهي إذهاب العقل الموصل للمصالح ، صوَّب الملك فعله ودعا له ، كما قال في الرواية الأخرى : أصبتَ أصاب الله بك ، ويحتمل أن يكون ذلك من باب التفاؤل والتشبيه ؛ لما كان اللبن أوّلَ شيء يدخل جوف الصبيّ ويشقّ أمعاءه ، فسمّي بذلك فطرةً . و ( قوله : وقد بعث إليه ؟ ) هو استفهام من الملائكة عن بعث النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وإرساله إلى الخلق .
وهذا يدلّ على أنّهم لم يكن عندهم علم من وقت إرساله ؛ لكونهم مستغرقين بالعبادة لا يفترون عنها . وقيل : معناه استفهامهم عن إرسال الله تعالى إليه بالعروج إلى السماء . و البيت المعمور سُمّي بذلك ؛ لكثرة عمارته بدخول الملائكة فيه وتعبُّدهم عنده .
و الأسْوِدَة جمع سواد ، وهي الأشخاص ، وسواد الإنسان شخصه ، يقال : لا يفارق سوادي سوادَك ، وهي هاهنا أرواح بني آدم ، وقد فسّرها بنسم بنيه . و النَّسَم جمع نَسَمَة ، كالشجر جمع شجرة . ولا يناقض هذا أن يُخبِر الشارع أنّ أرواح المؤمنين في الجنّة أو في الصُور الذي يُنْفَخ فيه أو في القبور ، وأرواح الكافرين في سجّين ؛ لأنّ هذا في أحوالٍ مختلفةٍ وأوقاتٍ متغايرةٍ ، والله أعلم .
و السِدْرَةُ واحدة السِدْر ، وهو شجر النبق ، وهو من أعظم الشجر جرْمًا ، وهو أكثر شجر البادية عندهم له شوك . ولأجل هذا وصفه الله بكونه مخضودًا ؛ أي : منزوعَ الشوك . وقد فسّر المعنى الذي به سمّيت سدرة المنتهى في حديث عبد الله الآتي .
و ( قوله : فلمّا غَشِيَها مِن أمر الله ما غَشِيَ ) يعني . من جلال الله وعظيم شأنه وسلطانه ، تغيّرت ؛ أي : انتقلت عن حالها الأول إلى حال أحسن منها .