باب هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه
[ 141 ] وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ؛ قَالَ : سَأَلْتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - : هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ ؟ قَالَ : نُورٌ أَنَّى أَرَاهُ . وَفِي رِوَايَةٍ : رَأَيْتُ نُورًا . و ( قوله - عليه الصلاة والسلام - : نور أَنَّى أراه ) هكذا رويناه وقيدناه برفع نور وتنوينه ، وفتح أَنَّى التي بمعنى كيف الاستفهامية ، ورواية من زعم أنه رواه : نورٌ إني ليست بصحيحة النقل ولا موافقة للعقل ، ولعلها تصحيف .
وقد أزال هذا الوهم الرواية الأخرى ، حيث قال : رأيت نورًا ، ورفع نور على فعل مضمر تقديره : غلبني نورٌ ، أو حجبني نورٌ . و أَنَّى أراه استفهام على جهة الاستبعاد ؛ لغلبة النور على بصره كما هي عادة الأنوار الساطعة كنور الشمس ، فإنه يُعشي البصر ، ويحيره إذا حدّق نحوه ، ولا يعارض هذا : رأيتُ نورًا ، فإنه عند وقوع بصره على النور رآه ، ثم غلب عليه بعد ، فضعُف عنه بصره . ولا يصح أن يُعتقد أن الله نور كما اعتقده هشام الجواليقي وطائفة المجسّمة ممن قال : هو نور لا كالأنوار ؛ لأن النور لون قائم بالهواء ، وذلك على الله تعالى محال عقلاً ونقلا .
فأما العقل فلو كان عرضًا أو جسمًا ، لجاز عليه ما يجوز عليهما ، ويلزم تغيّره وحدثُه . وأما النقل فقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولو كان جسمًا أو عرضًا لكان كل شيء منهما مماثلاً له . وقول هذا القائل : جسم لا كالأجسام ، أو نور لا كالأنوار متناقض ، فإن قوله : جسم أو نور ، حاكم عليه بحقيقة ذلك ، و قوله : لا كالأجسام يعني لما أثبته من الجسمية والنورية ، وذلك متناقض ، فإن أراد أنه يساوي الأجسام من حيث الجسمية ومفارق لها من حيث وصفٌ آخر ينفرد به ، لزمت تلك المحالات من حيث الجسمية ، ولم يتخلص منها بذكر ذلك الوصف الخاص ؛ إذ الأعمّ من الأوصاف تلزمه أحكام من حيث هو لا تلزم الأخصّ كالحيوانية والنطقية ، وتتميم هذا في علم الكلام .