حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب هل رأى محمد صلى الله عليه وسلم ربه

[ 142 ] وَعَنْ أَبِي مُوسَى ؛ قَالَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ ، فَقَالَ : إِنَّ اللهَ لا يَنَامُ ، وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ ، يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ ، يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ ، وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ ، حِجَابُهُ النُّورُ . وَفِي رِوَايَةٍ : النَّارُ ، لَو كَشَفَه لأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهِ . و ( قوله : إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام ) النوم عليه محال ؛ لأن النوم موت ، كما قال - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن نوم أهل الجنة ، فقال : النوم أخو الموت ، والجنة لا موت فيها ، وأيضًا فإن النوم راحة من تعب التصرف ، وذلك من تعب الأجسام .

و ( قوله : يخفض القسط ويرفعه ) قال ابن قتيبة : القِسط : الميزان ، وسمي بذلك ؛ لأن القسط هو العدل ، وذلك إنما يحصل ويُعرف بالميزان في حقوقنا ، وأراد به هاهنا ما يوزن به أعمال العباد المرتفعة إليه ، وأرزاقهم الواصلة إليهم ، كما قال الله تعالى : وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ . و القسطاس - بضم القاف وكسرها - : هو أقوام الموازين ، وقيل : أراد بالقسط هنا الوزن الذي هو قسط كل مخلوق ، يخفضه فيقتره ، ويرفعه فيوسّعه . وقيل : إن القسط هو العدل نفسُهُ ، ويراد به الشرائع والأحكام ، كما قال الله تعالى : لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ؛ أي : النصفة في الأحكام والعدل المأمور به في قوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فتارة يرفعه بمعنى : يعليه ويظهره بوجود الأنبياء وأصحابهم وأتباعهم العاملين به ، وتارة يخفضه بمعنى أنّه يذهبه ويخفيه بدروس الشرائع ، ورجوع أكثر الناس عن المشي على منهاجها .

ويحتمل أن يكون رفعها : قبضها ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - في الأمانة : إنها ترفع من القلوب ، وكما قال : أول ما تفقدون من دينكم الأمانة ، وآخر ما تفقدون منه الصلاة ، بل كما قال : عليكم بالعلم قبل أن يرفع ، وخفضها إيجادها في الأرض ووضعها ، والله أعلم . و ( قوله : يرفع إليه عمل النهار قبل الليل ) يعني أن الملائكة الموكلين بنا تحصي علينا عمل اليوم ، فترفعه في آخره لقرب الليل ، وكذلك في الليل ترفعه بقرب النهار ، ولذلك جاء في الرواية الأخرى : يرفع إليه عمل الليل بالنهار وعمل النهار بالليل ، فجعل الباء مكان قبل . وهذا الحديث كقوله : يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار .

والهاء في إليه عائدة إلى الله تعالى لكن على طريقة حذف المضاف ، والمراد به المحل الذي تنتهي الملائكة إليه بأعمال العباد ، ولعلّه سدرة المنتهى كما تقدم في حديث الإسراء . وهذا كما تقول : رفع المال إلى الملك ؛ أي إلى خزائنه . وعلى هذا يحمل قوله تعالى : إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ .

و ( قوله : تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ ) أي : مقاماتهم في حضرته ، وإنما احتجنا إلى إبداء هذا التأويل ؛ لئلا يتخيل الجاهل أنه مختصّ بجهة فوق فيلزمه التجسيم ، ويكفيك مما يدل على نفي الجهة في حقه تعالى : وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وما في معناه . و ( قوله : حجابه النور أو النار ) الحجاب : هو المانع والساتر ، ومنه سمي المانع من الأمير حاجبًا ، وهو مضاف إلى الله تعالى إضافة ملكٍ واختراع ، أو إضافة تشريف ، والمحجوب به العباد . وهو النور الذي بهر بصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ، حيث قال : نورٌ أَنَّى أراه ، وهو المعني بقوله في سدرة المنتهى : فغشيها ألوان لا أدري ما هي .

وأما البارئ تعالى ، فيستحيل عليه أن يحيط به حجاب ؛ إذ يلزم منه أن يكون مقدرًا محصورًا ، فيحتاج إلى مُقدّر ومخصّص ، ويلزم منه حدوثه . وفي التحقيق أن الحجاب في حقوقنا الموانع التي تقوم بنا عند وجود هذه الحوائل ؛ كالجسم الكثيف والشديد النور . و ( قوله : لو كشفها ) الضمير عائد على النار أو الأنوار ، و الحجاب ؛ بمعنى : الحجب ، والسبحات جمع سُبحة ، وأصلها جمال الوجه وبهاؤه ، ثم يُعبّر عنها عن العظمة والجلال ، وفي العين والصِحاح : سبُحات وجه ربّنا جلاله .

والهاء في بصره عائدة على الله تعالى على أحسن الأقوال ، وهو الذي عاد عليه ضمير وجهه ، وكذلك ضمير خلقه . ومعنى الكلام : أن الله تعالى لو كشف عن خلقه ما منعهم به من رؤيته في الدنيا لما أطاقوا رؤيته ، ولهلكوا من عند آخرهم ، كما قال الله تعالى : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا . ويفيد أن تركيب هذا الخلق وضعفهم في هذه الدار لا يحتمل رؤية الله فيها ، فإذا أنشأهم الله للبقاء وقوّاهم ، حملوا ذلك .

وقد أكثر الناس في تأويل هذا الحديث وأبعدوا ، لا سيما من قال : إن الهاء في وجهه تعود على المخلوق ، فإنه يحيل مساق الكلام ويُخلّ بالمعنى . والأشبه ما ذكرناه ، أو التوقف كما قال السلف : اقرؤوها كما جاءت ) ، يعنون المشكلات ، وسيأتي لهذا مزيد بيان إن شاء الله تعالى .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث