باب يدخل الجنة من أمة النبي سبعون ألفًا بغير حساب
) باب يدخل الجنة من أمة النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعون ألفًا بغير حساب 220 - [ 163 ] عَنْ حُصَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ؛ قَالَ : كُنْتُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَقَالَ : أَيُّكُمْ رَأَى الْكَوْكَبَ الَّذِي انْقَضَّ الْبَارِحَةَ ؟ قُلْتُ : أَنَا . ثُمَّ قُلْتُ : أَمَا إِنِّي لَمْ أَكُنْ فِي صَلاةٍ ، وَلَكِنِّي لُدِغْتُ . قَالَ : فَمَاذَا صَنَعْتَ ؟ قُلْتُ : اسْتَرْقَيْتُ .
قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى ذَلِكَ ؟ قُلْتُ : حَدِيثٌ حَدَّثَنَاهُ الشَّعْبِيُّ . فقَالَ : وَمَا حَدَّثَكُمُ الشَّعْبِيُّ ؟ قُلْتُ : حَدَّثَنَا عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ حُصَيْبٍ الأَسْلَمِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لا رُقْيَةَ إِلا مِنْ عَيْنٍ أو حُمَةٍ . فَقَالَ : قَدْ أَحْسَنَ انْتَهَى إِلَى مَا سَمِعَ .
وَلَكِنْ حَدَّثَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ ؛ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنهُ قَالَ : عُرِضَتْ عَلَيَّ الأُمَمُ ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلانِ ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ . إِذْ رُفِعَ لِي سَوَادٌ عَظِيمٌ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُمْ أُمَّتِي ، فَقِيلَ لِي : هَذَا مُوسَى وَقَوْمُهُ . وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ ، فَنَظَرْتُ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ .
فَقِيلَ لِي : انْظُرْ إِلَى الأُفُقِ الآخَرِ ، فَإِذَا سَوَادٌ عَظِيمٌ . فَقِيلَ لِي : هَذِهِ أُمَّتُكَ ، وَمَعَهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ . ثُمَّ نَهَضَ فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ ، فَخَاضَ النَّاسُ فِي أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلا عَذَابٍ ، فَقَالَ بَعْضُهمْ : فَلَعَلَّهُمِ الَّذِينَ صَحِبُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : فَلَعَلَّهُم الَّذِينَ وُلِدُوا فِي الإِسْلامِ وَلَمْ يُشْرِكُوا بِاللهِ ، وَذَكَرُوا أَشْيَاءَ . فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : مَا الَّذِي تَخُوضُونَ فِيهِ ؟ فَأَخْبَرُوهُ . فَقَالَ : هُمِ الَّذِينَ لا يَرْقُونَ ، وَلا يَسْتَرْقُونَ ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ .
فَقَامَ عُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ ، فَقَالَ : ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ . فَقَالَ : أَنْتَ مِنْهُمْ . ثُمَّ قَامَ رَجُلٌ آخَرُ ، فَقَالَ : ادْعُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ .
فَقَالَ : سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ . 218 - [ 164 ] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ؛ أَنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِغَيْرِ حِسَابٍ قَالُوا : مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : هُمِ الَّذِينَ لا يَسْتَرْقُونَ ، وَلا يَتَطَيَّرُونَ ، وَلا يَكْتَوُونَ ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . ( 67 ) ومن باب كم يدخل الجنّة من أمّة محمد - صلى الله عليه وسلم - بغير حساب ؟ ( قوله : لا رقيةَ إلاّ من عين أو حُمَة ) العين : إصابة العين ، والحمة - بضمّ الحاء وفتح الميم مخفَّفة - : حرقة السُمّ ولذعه ، وقيل : السُمّ نفسه .
قال الخطّابيّ : ومعنى ذلك : لا رقيةَ أشفى وأولى من رقية العين والْحُمّة . وكان - عليه الصلاة والسلام - قد رقي ورقى ، وأمر بها وأجازها ، وإذا كانت بالقرآن وبأسماء الله تعالى ، فهي مباحة أو مأمور بها . وإنّما جاءت الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب ، فإنّه ربّما كان كفرًا أو قولاً يدخله الشرك .
قال : ويحتمل أن يكون الذي يُكره من الرقية ما كان منها على مذاهب الجاهليّة التي كانوا يتعاطونها ، وأنّها تَدفع عنهم الآفات ، ويعتقدون أنّ ذلك من قِبَل الجنّ ومعونتهم . وقد اختلفت الرواية عن مالك في إجازة رقية أهل الكتاب للمسلم ، فأجازها مرّةً إذا رقى بكتاب الله ، ومنعها أخرى ؛ إذ لا يُدرى ما الذي يرقي به . و ( قوله : فإذا سواد عظيم ) يعني به : أشخاصًا كثيرةً ، وجمعه أَسْوِدَة ، وقد تقدّم .
و ( قوله : هم الذين لا يرقون ولا يستَرْقَون ولا يكتوون ولا يتطيّرون ) اختلف الناس في معنى هذا الحديث وعلى ماذا يُحمل ؟ فحمله الإمام المازَرِيّ - رحمه الله - على أنّهم الذين جانبوا اعتقاد الطبائعيّين في أنّ الأدوية تنفع بطباعها واعتقاد الجاهليّة في ذلك ورقاهم . وهذا غير لائق بمساق الحديث ولا بمعناه ؛ إذ مقصوده إثبات مزيَّةٍ وخصوصيّةٍ لهؤلاء السبعين ألفًا ، وما ذكره يرفع المزيّة والخصوصيّة ، فإنّ مجانبة اعتقاد ذلك هو حال المسلمين كافَّةً ، ومن لم يجانب اعتقاد ذلك لم يكن مسلمًا . ثمّ إنّ ظاهر لفظ الحديث إنّما هو : لا يرقون ولا يكتوون أي : لا يفعلون هذه الأمور ، وما ذكره خروج عنه من غير دليل .
وقال الداوديّ . المراد بذلك الذين يجتنبون فعله في الصحّة ، فإنّه يُكره لمن ليست به علّة أن يتّخذ التمائم ويستعمل الرقى ، فأمّا من يستعمل ذلك في مرضٍ به فهو جائز . وهذا إن صحّ أن يقال في التمائم وفي بعض الرقى ، فلا يصحّ أن يقال في التعويذات ، وهي من باب الرقى ؛ إذ قد يجوز أن يتعوّذ من الشرور كلّها قبل وقوعها .
ولا يصح ذلك في التطبب ، فإنه يجوز أن يتحرز من الأدواء قبل وقوعها ، وأمّا الكيّ ، فيأتي القول فيه إن شاء الله تعالى . وذهب الخطّابيّ وغيره إلى أنّ وجه ذلك أن يكون تركُها على جهة التوكّل على الله تعالى والرضا بما يقضيه من قضاء وينزل به من بلاء ، قال : وهذه أرفع درجات المحقِّقين بالإيمان ، قال : وإلى هذا ذهب جماعة من السلف ، وسمّاهم . قال القاضي أبو الفضل عياض : وهذا هو ظاهر الحديث ؛ ألا ترى قوله : وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ومضمون كلامه أنّه لا فرق بين ما ذكر من الكيّ والرقى وبين سائر أبواب الطبّ .
وقد ذهب غيره إلى أنّ استعمال الرقى والكيّ قادح في التوكّل بخلاف سائر أنواع الطبّ ، فإنّها غير قادحة في التوكّل ، وفرّق بين القسمين بأن قال : باب الرقى والكيّ والطِيَرة موهوم فيقدح في التوكل ، وما عداها غير موهوم بل محقّق ، فيصير كالأكل للغذاء أو الشرب للريّ ، فلا يقدح .
قال الشيخ : وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : أنّ أكثرَ أبواب الطبّ موهومة كالكيّ ، فلا معنى لتخصيصه بالكيّ والرقى . وثانيهما : أنّ الرقى بأسماء الله تعالى هو غاية التوكّل على الله تعالى ، فإنّه التجاء إليه ، ويتضمّن ذلك رغبته له وتبرّكًا بأسمائه ، والتعويل عليه في كشف الضُرّ والبلاء ، فإن كان هذا قادحًا في التوكّل ، فليكن الدعاء والأذكار قادحا في التوكّل ، ولا قائل به ، وكيف يكون ذلك ؟ وقد رقى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - واسترقى . ورقاه جبريل وغيره ورقته عائشة ، وفعل ذلك الخلفاء والسلف ، فإن كانت الرقى قادحة في التوكّل ومانعة من اللحوق بالسبعين ألفًا ، فالتوكّل لم يتمّ للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - ولا لأحد من الخلفاء ، ولا يكون أحد منهم في السبعين ألفًا مع أنّهم أفضل مَن وافى القيامة بعد الأنبياء ، ولا يتخيل هذا عاقل .
قال الشيخ - رحمه الله - : والذي يظهر لي أنّ القول ما قاله الخطّابيّ وحكاه عن جماعة من السلف ، وذلك ظاهر في الطيرة والكيّ ، فإذا دفع الطيرة عن نفسه ولم يلتفت إليها بالتوكّل على الله تعالى ، كان في المقام الأرفع من التوكّل ؛ لأنّ الطيرة قد تلازم قلب الإنسان ولا يجد الانفصال عنها ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - حين سئل عن الطيرة فقال : ذاك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدّنّهم فإذا استعمل المؤمن الإعراض عنها والتفويض إلى الله في أموره ، ذهب ما كان يجده منها ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود : الطيرة شرك ، الطيرة شرك - ثلاثًا - وما منّا إلا ، ولكنّ الله يذهبه بالتوكّل . و ( قوله : إلاّ ) يعني استثناء ما يجده الإنسان منها في نفسه الذي قال فيه : ذاك شيء يجدونه في صدورهم . وأمّا الكيّ ، فالمأمون منه جائز ، وقد كوى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أُبيًّا يوم الأحزاب على أكحله لما رمي .
وفي البخاريّ عن ابن عبّاس أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قال : الشفاء في ثلاث : في شرطة محجم ، أو شربة عسل ، أو كيّة بنار ، وأنا أنهى أمّتي عن الكيّ ، وفي حديث جابر : وما أُحِبُّ أن أكتوي . وعلى هذا فالمأمون من الكيّ وإن كان نافعًا - جائز ، إلاّ أنّ تركه خير من فعله ، وهذا معنى نهيه - صلى الله عليه وسلم - عنه ، وسببه أنّه تعذيب بعذاب الله ، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - : لا تُعذِّبوا بعذاب الله يعني : النار . وبهذا ينفرد الكيّ ولا يُلحق به التطبُّب بغير ذلك في الكراهة ، فإنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قد تطبَّب وطبب ، وأحال على الطبيب وأرشد إلى الطبّ بقوله : يا عبادَ الله ! تداووا ، فإنّ الذي أنزل الداء أنزل الدواء .
وأمّا الرقي والاسترقاء ، فما كان منه من رقي الجاهليّة أو بما لا يعرف ، فواجب اجتنابه على سائر المسلمين ، وتركه حاصل من أكثرهم ، فلا يكون اجتناب ذلك هو المراد هنا ، ولا اجتناب الرقي بأسماء الله تعالى وبالمرويّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لما قدّمناه من أنّه التجأ إلى الله ، وتبرّك بأسمائه . ويظهر لي - والله تعالى أعلم - أنّ المقصود : اجتناب رقي خارج عن القسمين ، كالرقي بأسماء الملائكة والنبيّين والصالحين ، أو بالعرش والكرسيّ والسماوات والجنّة والنار وما شاكل ذلك ممّا يعظَّم ، كما قد يفعله كثير ممن يتعاطى الرقى ، فهذا القسم ليس من قبيل الرقي المحظور الذي يعمّ اجتنابه ، وليس من قبيل الرقي الذي هو التجاء إلى الله تعالى وتبرُّك بأسمائه ، وكأنّ هذا القسم المتوسط يُلحق بما يجوز فعله ، غير أنّ تركه أولى ؛ من حيث إنّ الرقي بذلك تعظيم ، وفيه تشبيه المَرقيِّ به بأسماء الله تعالى وكلماته ، فينبغي أن يُجتنب لذلك . وهذا كما نقوله في الحلف بغير الله ، فإنّه ممنوع ، فإنّ فيه تعظيمًا لغير الله تعالى بمثل ما يعظّم به الله ، والله أعلم .
وهذا ما ظهر لي ، فمن ظهر له ذلك فليقبلْه شاكرًا ، وإلا فليتركْه عاذرًا . وسيأتي الكلام في اشتقاق لفظ الطِيَرَة في كتاب الصلاة ، إن شاء الله . و ( قوله : وعلى ربّهم يتوكّلون ) التوكّل لغةً : هو إظهار العجز عن أمر ما ، والاعتماد فيه على الغير ، والاسم التكلان ، يقال منه : اتّكلْتُ عليه في أمري ، وأصله اوْتَكلْت ، قُلبت الواو ياءً لانكسار ما قبلها ، ثمّ أُبدل منها التاءُ وأُدغمت في تاء الافتعال .
ويقال : وكّلْتُه بأمر كذا توكيلاً ، والاسم الوِكالة بكسر الواو وفتحها . واختلف العلماء في التوكّل وفيمن يستحِقّ اسم المتوكِّل على الله ، فقالت طائفة من المتصوِّفة : لا يستحقّه إلا من لم يخالط قلبه خوف غير الله من سَبُع أو غيره ، وحتّى يترك السعي في طلب الرزق ؛ لضمان الله تعالى . وقال عامّة الفقهاء : إنّ التوكّل على الله تعالى هو الثقة بالله والإيقان بأنّ قضاءه ماضٍ ، واتّباع سنّة نبيّه في السعي فيما لا بدّ منه من الأسباب من مطعم ومشرب وتحرّز من عدو وإعداد الأسلحة واستعمال ما تقتضيه سنّة الله تعالى المعتادة .
وإلى هذا ذهب محقِّقو المتصوِّفة ، لكنّه لا يستحقّ اسم المتوكّل عندهم مع الطمأنينة إلى تلك الأسباب ، والالتفات إليها بالقلوب ، فإنّها لا تجلب نفعًا ولا تدفع ضرًّا ، بل السبب والمسبّب فعل الله تعالى ، والكلّ منه وبمشيئته . ومتى وقع من المتوكِّل ركون إلى تلك الأسباب ، فقد انسلخ عن ذلك الاسم . ثمّ المتوكِّلون على حالين : الحال الأوّل : حال المتمكِّن في التوكُّل ، فلا يَلتفِت إلى شيء من تلك الأسباب بقلبه ، ولا يتعاطاها إلاّ بحكم الأمر .
الحال الثاني : حال غير المتمكِّن ، وهو الذي يقع له الالتفات إلى الأسباب أحيانًا ، غير أنّه يدفعها عن نفسه بالطرق العلميّة والبراهين القطعيّة والأذواق الحاليّة ، فلا يزال كذلك إلى أن يُرقِيَه الله بجوده إلى مقام المتمكِّنين ، ويلحقه بدرجات العارفين . و ( قوله : فقام إليه عُكّاشة بن مِحصَن فقال : ادع اللهَ أن يجعلَني منهم ) عكاشة هذا هو بضمّ العين وتشديد الكاف ، قال ثعلب . وقد تخفَّف .
قال الشيخ - رحمه الله - : ولعلّه منقول من عُكاشة اسمٍ لبيت النمل بالتخفيف ، أو مأخوذ من عَكِش الشَعر وتعكَّش إذا التوى . وعُكاشة هذا من أفاضل الصحابة وخيارهم وشجعانهم ، له ببدر المقام المشهود والعَلَم المنشور ، وذلك أنّه ضرب بسيفه في الكفّار حتّى انقطع ، فأعطاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جِزل حطب فأخذه فهزّه فعاد في يده سيفًا صارمًا ، فقاتل به حتّى فتح الله على المسلمين . وكان ذلك السيف يسمَّى العون ، ولم يزل عنده يشهد به المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتّى قُتل عُكاشة في الردّة وهو عنده ، قتله طُليحة الأسديّ ، وهو الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : منّا خيرُ فارسٍ في العرب ، قالوا .
ومن هو يا رسول الله ؟ قال : عُكاشة بن محصن . ولقوّة يقينه وشدّة حرصه على الخير ورغبته فيما عند الله سبحانه ، سبق الصحابةَ كلَّهم بقوله : ادع الله أن يجعلني منهم . ولمّا لم يكن عند القائم بعده من تلك الأحوال الشريفة ما كان عند عُكاشة ، قال له : سبقك بها عُكاشة ، وأيضًا فلئلاّ يطلبَ كلّ من هنالك ما طلبه عُكاشة ، والرجل الآخر ، ويتسلسل الأمر ، فسدّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الباب بما قال لعكاشة .
وهذا أولى من قول من قال : إنّ ذلك الرجل كان منافقًا ؛ لوجهين : أحدهما : أنّ الأصل في الصحابة صحة الإيمان والعدالة ، فلا يُظنُّ بأحد منهم شيءٌ يقتضي خلاف ذلك الأصل ، ولا يُسمع ما لا يصح نقله ، ولا يجوز تقديره . والثاني : أنّه قلّ أن يصدر مثل ذلك السؤال عن منافق ، إذ ذلك السؤال يقتضي تصديقا صحيحا ويقينا ثابتا ، والله أعلم .