باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه
) باب في الوضوء من المذي وغسل الذكر منه 303 - [ 235] عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - ؛ قَالَ : كُنْتُ رَجُلاً مَذَّاءً ، وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ رَسُولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ . فَسَأَلَهُ فَقَالَ : يَغْسِلُ ذَكَرَهُ ، وَيَتَوَضَّأُ . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : تَوَضَّأْ ، وَانْضَحْ فَرْجَكَ .
( 21 ) ومن باب الوضوء من المذي ( قول علي - رضي الله عنه - : كنت رجلاً مذاءً ) أي : كثير المذي ، كما جاء عنه في كتاب أبي داود قال : كنت ألقى من المذي شدّة ، فكنت أغتسل منه حتى تشقق ظهري . والمذي : ماء أبيض رقيق يخرج عند الملاعبة والتذكار ، أكثر خروجه من العَزب ، وهو نجسٌ باتفاق العلماء ، إلا ما يحكى عن أحمد بن حنبل من أنه طاهر كالمني عنده ، وهو خلافٌ شاذٌ ، وقد تقدم القول في نجاسة المني ، ويقال فيه : مَذي ، بسكون الذال وتخفيف الياء . ومَذِيٌّ بكسر الذال ، وتشديد الياء ، ويقال : مذَى وأَمذَى ، لغتان .
و ( قوله : فأمرت المقداد بن الأسود ) هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي ، وإنما نسب للأسود لأنه كان في حجره ، وكان قد تبناه ، وقيل : حالفه ، وجاء في رواية أخرى : أرسلنا المقداد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فسأله عن المذي يخرج من الإنسان كيف يفعل به ؟ وهذا يدل على أنه لم يحضر مجلس السؤال ، ويتوجه على هذا إشكال ، وهو أن يقال : كيف اكتفى بخبر الواحد المفيد لغلبة الظن مع تمكنه من الوصول إلى اليقين بالمشافهة ؟ ويلزم منه جواز الاجتهاد مع القدرة على النص ، والجواب أن نقول : يحتمل أن يكون مع أمره بالذهاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإرساله حضر مجلس السؤال والجواب ، ولو سلمنا عدم ذلك قلنا : إن العمل بخبر الواحد جائزٌ مع إمكان الوصول إلى اليقين ، إذا كان في الوصول إلى اليقين كلفة ومشقة ، فإن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتناوبون حضور مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لسماع ما يطرأ فيه ، ويحدِّثُ من حضر لمن غاب ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوجه ولاته وأمراءه ليعلموا الناس العلم آحادًا ؛ مع تمكنه من إرسال عدد التواتر ، أو أمره أن يرتحل إليه عدد التواتر لِيَسمعوا منه ، ولم يفعل ذلك إسقاطًا للمشقة ، ومجانبة للتعنيت والكلفة ، ولذلك قال تعالى : فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، والطائفة لا يحصل العلم بخبرهم إذ الفرقة أقلها ثلاثة . والطائفة منهم واحد أو اثنان ، ولا يلزم على ذلك تجويز الاجتهاد مع وجود النص ؛ لأنهم - رضي الله عنهم - لم يجتهدوا إلا حيث فقدوا النصوص القاطعة والمظنونة ، وذلك لأن الظن الحاصل من نصوص أخبار الآحاد أقوى من الظن الحاصل عن الاجتهاد ، وبيان ذلك : أن الوهم إنما يتطرق إلى أخبار الآحاد من جهة الطريق ، وهي جهة واحدة ، ويتطرق إلى الاجتهاد من جهات متعددة فانفصلا ، والله أعلم . و ( قوله : يغسل ذكره ويتوضأ ) ظاهر هذا أنه يغسل جميع ذكره ؛ لأن الاسم للجملة ، وهو رأي المغاربة من أصحابنا ، وهل ذلك للعبادة فيفتقر إلى نية ، أو لقطع أصل المذي فلا يحتاج ؟ قولان لأبي العباس الإبياني وأبي محمد بن أبي زيد .
وذهب بعض العراقيين من أصحابنا : إلى أنه يغسل موضع النجاسة فقط ، ولم يختلف العلماء أن المذي إذا خرج على الوجه المعتاد أنه ينقض الوضوء . و ( قوله في الرواية الأخرى : توضأ وانضح فرجك ) النضح هنا : هو الغسل المذكور في الرواية المتقدمة ، والواو غير مرتبة ، ويحتمل أن يريد به : أن يرش ذكره بعد غسله أو وضوئه ؛ لينقطع أصل المذي أو يقل ، والله أعلم .