باب ما جاء في القراءة في الصلاة وبيان أركانها
( 395 ) ( 38 ) [311] - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : مَنْ صَلَّى صَلاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ - ثَلاثًا ، غَيْرُ تَمَامٍ . فَقِيلَ لأَبِي هُرَيْرَةَ : إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ ! فَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ : قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَّلَ : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللهُ تعالى : حَمِدَنِي عَبْدِي . وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَ اللهُ تعالى : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي .
وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ : مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً : فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي . فَإِذَا قَالَ : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ : هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ . فَإِذَا قَالَ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ : هَذَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .
( 396 ) ( 44 ) [312] - وَعَنْهُ قَالَ : فِي كُلِّ صَّلاةٍ قِرَاءَةٌ ، فَمَا أَسْمَعَنَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أَسْمَعْنَاكُمْ ، وَمَا أَخْفَى مِنَّا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ . مَنْ قَرَأَ بِأُمِّ الكتاب فَقَدْ أَجْزَأَتْ عَنْهُ ، وَمَنْ زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ . وقوله " من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج " ، قال الهروي : الخداج النقصان ؛ يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق .
وأخدجته : إذا ولدته ناقصًا وإن كان لتمام الولادة . فقوله " خداج " أي : ذات خداج ، فحذف ذات وأقام الخداج مقامه ، وهذا مذهب الخليل في الخداج وأبي حاتم والأصمعي ، وأما الأخفش فعكس وجعل الإخداج قبل الوقت وإن كان تام الخلق . وسميت الفاتحة أم الكتاب لأنها أصله ؛ أي : هي محيطة بجميع علومه ، ج٢ / ص٢٦فهي منها وراجعة إليها ، ومنها سميت الأم أُمًّا ؛ لأنها أصل النَّسْل ، والأرض أُمًّا في قوله :
وقوله " قسمت الصلاة " يعني أم القرآن ، سماها صلاة ؛ لأن الصلاة لا تتم - أو لا تصح - إلا بها ، ومعنى القسمة هنا من جهة المعاني ؛ لأن نصفها الأول في حمد الله وتمجيده والثناء عليه وتوحيده ، والنصف الثاني في اعتراف العبد بعجزه وحاجته إليه وسؤاله في تثبيته لهدايته ومعونته على ذلك ، وهذا التقسيم حجة على أن بسم الله الرحمن الرحيم ليست من الفاتحة خلافًا للشافعي ، وسيأتي قوله . وقوله تعالى " حمدني عبدي " ؛ أي : أثنى عليّ بصفات كمالي وجلالي . و " مجّدني " شرّفني ؛ أي : اعتقد شرفي ونطق به ، والمجد : نهاية الشرف ، وهو الكثيرُ صفاتِ الكمالِ ، والمجد : الكثرة ، ومنه قوله : في كل شجر نار واستَمْجَدَ الْمَرْخُ والعَفَار ج٢ / ص٢٧أي : كثر نارهما .
وقوله " وربما قال : فوّض إليّ عبدي " ؛ أي : يقول هذا ويقول هذا ، غير أن " فوض " أقل ما يقوله ، وليس شكا ، وهو مطابق لقوله : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ - لأنه تعالى هو المنفرد في ذلك اليوم بالملك ، إذ لا تبقى دعوى لمدّع . والدين : الجزاء ، والحساب ، والطاعة ، والعبادة ، والملك . وقوله " نعبد " ؛ أي : نخضع ونتذلل .
و " نستعين " نسألك العون ، " اهدنا " أرشدنا وثبتنا على الهداية ، و " الصراط المستقيم " الذي لا اعوجاج فيه ؛ والمنعم عليهم هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون . و " المغضوب عليهم " اليهود ، والضلاّل النصارى ، كذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإنما قال الله تعالى هنا " هذا بيني وبين عبدي " لأنها تضمّنت تذلل العبد لله وطلبه الاستعانة منه ، وذلك يتضمّن تعظيم الله تعالى وقدرته على ما طُلب منه .
وقوله فيما بقي من السورة " هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل " ؛ لأن العبد دعا لنفسه ، وقال مالك في قوله " فهؤلاء لعبدي " : هي إشارة إلى أنها ثلاث آيات ج٢ / ص٢٨لا آيتان ؛ وذلك أن المسلمين قد اتفقوا على أن الفاتحة سبع آيات ، فإذا كانت ثلاث آيات عند قوله مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ بقيت أربع آيات : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ تبقى ثلاث آيات ، فتصحّ الإشارة إليها بهؤلاء . وقد عدّ البصريون والشاميون والمدنيون صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ آية ، وعليه تصح القسمة والإشارة ، والله أعلم . وقوله " اقرأ بها في نفسك " ، اختلف العلماء في قراءة المأموم خلف الإمام ؛ فذهب جماعة من الصحابة والتابعين إلى أن المأموم لا يترك قراءة أم القرآن على حال ، وإليه ذهب الشافعي تمسكًا بقول أبي هريرة وبعموم قوله " لا صلاة " ، وذهب مالك وابن المسيب في جماعة من التابعين وغيرهم وفقهاء أهل الحجاز والشام إلى أنه لا يقرأ معه فيما جهر به وإن لم يسمعه ، ويقرأ معه ما أسر فيه الإمام تمسكًا بقوله تعالى : وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ، وبقول أبي هريرة : فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبقوله عليه الصلاة والسلام : إذا قرأ الإمام فأنصتوا .
وذهب أكثر هؤلاء إلى أن القراءة فيما يُسِرّ فيه الإمام غير واجبة ، إلا داود وأحمد بن حنبل وأصحاب الحديث فإنهم أوجبوا قراءة الفاتحة إذا أسرّ الإمام ، وذهب الكوفيون إلى ترك قراءة المأموم خلف الإمام على كل حال .