باب التَّشَهُّد في الصلاة
( 404 ) ( 62 و 63 ) [319] - وَعَنْ حِطَّانَ بْنِ عَبْدِ اللهِ الرَّقَاشِيِّ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ صَلاةً ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أُقِرَّتِ الصَّلاةُ بِالْبِرِّ وَالزَّكَاةِ ؟ فَلَمَّا قَضَى أَبُو مُوسَى الصَّلاةَ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ ، فَقَالَ : أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالَ : فَأَرَمَّ الْقَوْمُ . ثُمَّ قَالَ : أَيُّكُمُ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كذا وكذا ؟ فأرم القوم . فَقَالَ : لَعَلَّكَ يَا حِطَّانُ قُلْتَهَا ؟ قَالَ : مَا قُلْتُهَا ، وَلَقَدْ رَهِبْتُ أَنْ تَبْكَعَنِي بِهَا .
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : أَنَا قُلْتُهَا ، وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلا الْخَيْرَ . فَقَالَ أَبُو مُوسَى : أمَا تَعْلَمُونَ كَيْفَ تَقُولُونَ فِي صَلاتِكُمْ ! إِنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَطَبَنَا فَبَيَّنَ لَنَا سُنَّتَنَا وَعَلَّمَنَا صَلاتَنَا ، فَقَالَ : إِذَا صَلَّيْتُمْ فَأَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ، ثُمَّ لْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا ، وَإِذا قَالَ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ يُجِبْكُمُ اللهُ ، فَإِذَا كَبَّرَ وَرَكَعَ فَكَبِّرُوا وَارْكَعُوا ، فَإِنَّ الإِمَامَ يَرْكَعُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : فَتِلْكَ بِتِلْكَ ، وَإِذَا قَالَ : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، فَقُولُوا : اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ - يَسْمَعُ اللهُ لَكُمْ ، فَإِنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم : سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ .
وَإِذَا كَبَّرَ وَسَجَدَ فَكَبِّرُوا وَاسْجُدُوا ، فَإِنَّ الإِمَامَ يَسْجُدُ قَبْلَكُمْ وَيَرْفَعُ قَبْلَكُمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : فَتِلْكَ بِتِلْكَ . وَإِذَا كَانَ عِنْدَ الْقَعْدَةِ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ قَوْلِ أَحَدِكُمُ : التَّحِيَّاتُ الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلا اللهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
وَفِي رِوَايَةٍ : وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا . ج٢ / ص٣٦وقوله في حديث حطَّان " أقِرَّت الصلاة بالبر والزكاة " ؛ أي قُرِنَتْ ، والباء بمعنى مع ؛ أي : قُرِنَتْ مع البر والزكاة فصارت معهما مستوية في أحكامهما وتأكيدهما . ويحتمل أن يراد بالبر هنا الْمبَّرة ، وبالزكاة الطهارة ، ويكون المعنى أن من داوم على الصلاة بَرّ وتطهر من الآثام ، والله أعلم .
وقوله " فأرَمَّ القوم " بفتح الراء وتشديد الميم ، وهو المعروف ، ويروى " فَأزَمَ القوم " بالزاي المنقوطة ، ومعناهما واحد وهو السكوت ؛ أي : لم ينطقوا بشيء ولا حرَّكوا مَرَمّاتهم وهي شفاههم ، والشفةُ : هي الْمِرَمَّة والْمِقمَّة ، وبالزاي من الزَّمّ ؛ أي : لم يفتحها بكلمة . ج٢ / ص٣٧وقوله " لقد رهبت أن تَبْكَعَني بها " ، قال : معناه خفتُ أن تستقبلني بها ، يقال بَكَعْت الرجل بَكْعًا إذا استقبلته بما يكره ، وهو نحو التبكيت . ورهبت : خفت .
والرهب : الخوف . وقوله " أما تعلمون كيف تقولون ! " ظاهره النفي ، ويحتمل الاستفتاح ، وحُذِفَت الهمزة تخفيفًا كما تحذف مع الاستفهام . وقوله " فأقيموا صفوفكم " أَمْرٌ بإقامة الصفوف ، وهو من سنن الصلاة بلا خلاف ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الآخر : فإن تسوية الصف من تمام الصلاة .
وقوله " فإذا كبر فكبروا " يقتضي أن تكبير المأموم لا يكون إلا بعد تكبير الإمام ؛ لأنه جاء بفاء التعقيب ، وهذا مذهب كافة العلماء . ولا خلاف أن المأموم لا يسبقه بالتكبير والسلام إلا عند الشافعي ومن لا يرى ارتباط صلاة المأموم بصلاة الإمام ، والحديث حجة عليهم . واختلفوا إذا ساواه في التكبير أو السلام ؛ فلأصحابنا فيه قولان : الإجزاء وعدمه .
واتفقوا على أنه لا يجوز أن يسابقه بكل أفعاله وسائر أقواله ولا يقارنه فيها ، وأن السنة اتباعه فيها . ج٢ / ص٣٨وقوله " فتلك بتلك " ، هذا إشارة إلى أن حق الإمام السبق ، فإذا فرغ تلاه المأموم معقبًا . والباء في " تلك " للإلصاق والتعقيب ، وقد قيل : ليس عليه أن ينتظره حتى يفرغ ، بل يكفي شروع الإمام في أول الفعل ، والصحيح الأول للحديث .
وقد روي عن مالك قول ثالث أنه فرّق فقال : يجوز مُشاركةُ المأموم الإمام إلا في القيام من الركعتين ، فلا يقوم حتى يستوي الإمام قائمًا ويكبر . وعلى القول الآخر : له أن يقوم بقيامه . وقيل في " تلك بتلك " أن معناه أن الحالة من صلاتكم وأعمالكم إنما تصح بتلك الحالة من اقتدائكم به .
وقوله " يسمع الله لكم " ؛ أي يستجيب . وقول النبي صلى الله عليه وسلم " سمع الله لمن حمده " خبر عن الله تعالى باستجابة من حَمِدَه ودعاه ، ويجوز أن يراد به الدعاء ، فيكون معناه : اللهم استجب ، كما نقول : صلى الله على محمد . وقوله " ربنا ولك الحمد " اختلفت روايات الحديث في إثبات الواو وحذفها ، واختلف اختيار العلماء فيها ؛ فمرة اختار مالك إثبات الواو لأن قوله " ربنا " إجابةُ قوله " سمع الله لمن حمده " ؛ أي : ربَّنا استجب دعاءَنا واسمع حمدَنا ، ولك الحمد على هذا .
وأيضًا فإن الواو زيادة حرف ، ولكل حرف حَظٌّ من الثواب . واختار مرّة حذف الواو إذ الحمد هو المقصود ، قال الشيخ رحمه الله : والظاهر أن الموجب للاختلاف في الاختيار الاختلاف في ترجيح الآثار . ج٢ / ص٣٩وقوله " وإذا قرأ فأنصتوا " حجة لمالك ومن قال بقوله : إن المأموم لا يقرأ مع الإمام إذا جهر .
قال الدارقطني : هذه اللفظة لم يتابع سليمان التَّيْمي فيها عن قتادة ، وخالفه الْحُفَّاظ . قال : وإجماعهم على مخالفته يدل على وهمه .
قال الشيخ رحمه الله : وقد أشار مسلم في كتابه إلى تصحيح هذه الزيادة ، وهي ثابتة في الأصل في رواية الْجُلودي عن إبراهيم بن سفيان . وقد تقدم في أوَّل كتابنا قول إبراهيم بن سفيان لمسلم : لِمَ لَمْ تخرج في كتابك " وإذا قرأ فأنصتوا " ؟ أليست بصحيحة ؟ فقال : ليس كل الصحيح خرَّجت هنا ، وإنما خرَّجت ما أجمعوا عليه ! فهذا تصريح بصحتها ، إلا أنها ليست عنده مما أجمعوا على صحته . وقوله " وإذا قال : ولا الضالين - فقولوا : آمين ؛ يجبكم الله " ، آمين : اسم من أسماء الأفعال ، ومعناها هنا : اللهم استجب ، وهي مبنيَّة على السكون ، وفيها لغتان : المدّ ، والقصر .