حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب النهي عن إتيان المساجد لمن أكل الثوم أو البصل

( 567 ) [455] - وَعَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ : أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، وَذَكَرَ أَبَا بَكْرٍ ، قَالَ : إِنِّي رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلاثَ نَقَرَاتٍ ، وَإِنِّي لا أُرَاهُ إِلا حُضُورَ أَجَلِي ، وَإِنَّ أَقْوَاما يَأْمُرُونَنِي أَنْ أَسْتَخْلِفَ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلا خِلافَتَهُ ، وَلا الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيَّهُ ، فَإِنْ عَجِلَ بِي أَمْرٌ فَالْخِلافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلاءِ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ، وَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعَنُونَ فِي هَذَا الأَمْرِ ، أَنَا ضَرَبْتُهُمْ بِيَدِي هَذِهِ عَلَى الإِسْلامِ ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ الضُّلالُ ، ثُمَّ إِنِّي لا أَدَعُ بَعْدِي شَيْئًا أَهَمَّ عِنْدِي مِنَ الْكَلالَةِ ، مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِي الْكَلالَةِ ، وَمَا أَغْلَظَ لِي فِي شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِي فِيهِ ، حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِي صَدْرِي ، وقَالَ : يَا عُمَرُ ! أَلا تكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ؟ ، وَإِنِّي إِنْ أَعِشْ أَقْضِي فِيهَا بِقَضِيَّةٍ يَقْضِي بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ . ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أُشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ ، فَإِنِّي إِنَّمَا بَعَثْتُهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ ، وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ - صلى الله عليه وسلم - ، وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَيْئَهُمْ ، وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ . ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ! تَأْكُلُونَ شَجَرَتَيْنِ لا أَرَاهُمَا إِلا خَبِيثَتَيْنِ : هَذَا الْبَصَلَ وَالثُّومَ ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ فِي الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ ، فَأُخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ ، فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا .

وقول عمر : إني رأيت كأن ديكًا نقرني ثلاث نقرات : هذا الديك الذي أُريه عمر مثال للعلج الذي قتله ، وهو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة ، وكان مجوسيا ، وكان نجارًا حدّادًا نقاشًا ، وكان من شأنه ما ذكره البخاري وغيره ، وهو أنه وثب على عمر وهو في صلاة الصبح - بعد أن دخل عمر فيها - ، فطعنه ثلاث طعنات ، فصاح عمر : قتلني - أو أكلني - الكلب ، ظانًّا أنه كلب عضّه ، فتناول عمر عبد الرحمن بن عوف ، فكمّل الصلاة بالناس . ثم إن العلج وثب وفي يده سكين ذات طرفين ، لا يمرّ على أحد يمينًا ولا شمالا إلا طعنه ، حتى طعن ثلاثة عشر رجلا ، مات منهم تسعة ، - وقيل : سبعة - ، فطرح عليه رجل خميصة كانت عليه ، فلما رأى العلج أنه مأخوذ نحر نفسه ، وحزّ عبد الرحمن بن عوف رأسه ، وهو الذي كان طرح عليه الخميصة . وقوله : إن أقوامًا يأمرونني أن أستخلف ، معنى الأمر هنا : العرض ، والتَّحْضِيض ، أو الفتيا : بأنه يجب عليه أن يستخلف ، وأنه مأمور بذلك من جهة الله تعالى .

وظاهر هذا الأمر أنه إنما كان من هؤلاء الأقوام لما سمعوا من عمر تأويله لمنامه بحضور أجله ، وهذا قبل وقوع طعنه ، ويحتمل أن يكون هذا بعد أن ج٢ / ص١٧٠طعن ، ويكون بعض الرواة ضمّ أحد الخبرين إلى الآخر ، وعلى هذا يدل مساق هذا الخبر . وقوله : وإن الله لم يكن لِيُضَيِّع دينه ، ولا خلافته ، ولا الذي بعث به نبيه - صلى الله عليه وسلم - ؛ إنما قال ذلك عمر رضي الله عنه ؛ لأنه قد علم مما قد فهمه من كتاب الله ، وسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن الله يستخلف المؤمنين في الأرض ، ويمكن لهم دينهم ، ويظهره على الدين كله ، فقال ذلك ثقة بوعد الله ، وتوكّلا عليه . والخلافة هنا : القيام بأمر أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على نحو ما قام به محمد - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر رضي الله عنهما .

وقوله : وإني قد علمت أن أقوامًا يطعنون في هذا الأمر ؛ إشارة إلى جعله الأمر شورى بين الستة الذين هم : عثمان ، وعبد الرحمن بن عوف ، وطلحة ، والزبير ، وعلي ، وسعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنهم . وقوله : فإن فعلوا ذلك ؛ أي : إن أفشوا الطعن ، وعملوا على الخلاف في ذلك والمشاقّة ، ولم يرضوا بالذين اخترتهم ، فأولئك عند الله الكفرة الضلاَّل ، وظاهر هذا : أنه حكم بكفرهم ، وكأنه علم أنهم منافقون ، وعلى هذا يدل قوله : أنا ضربتهم بيدي على الإسلام ؛ يعني : أنهم إنما دخلوا في الإسلام على تلك الحال ، لم تنشرح صدورهم للإسلام ، وإنما تستّروا بالإسلام ، وذلك حال المنافقين . ويحتمل أنهم لما فعلوا فعل الكفار من الخلاف ، وموافقة أهل الأهواء ، ومشاقّة المسلمين ، أُطلق عليهم ما يطلق على الكفار .

وعلى هذا فيكون هذا الكفر من باب كفران النعم والحقوق . ج٢ / ص١٧١وقوله : ثم إني لا أدع بعدي شيئًا أهم عندي من الكلالة . تَهَمُّمُ عمر بالكلالة ؛ لأنها أشكلت عليه ؛ وذلك أنها نزلت فيها آيتان : إحداهما : قوله تعالى : وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وفيها إشكال من جهات ، ولذلك اختلف في الكلالة ما هي ؟ ففيها أربعة أقوال : أحدها : أنها ما دون الوالد والولد ؛ قاله أبو بكر الصديق ، وعمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وزيد بن ثابت ، وابن عباس ، في خلق كثير .

والثاني : أنها من لا ولد له ، وروي عن عمر أيضًا ، وهو قول طاووس . والثالث : أنها ما عدا الوالد ؛ قاله الحكم بن عَُيينَة . والرابع : أنها بنو العمّ الأباعد ؛ قاله ابن الأعرابي .

واختلف أيضًا فيما يقع عليه الكلالة ، على ثلاثة أقوال : أحدها : على الحي الوارث ؛ قاله ابن عمر . والثاني : على الميت ؛ قاله السُّدّي . الثالث : على المال ؛ قاله عطاء .

واختُلف أيضًا فيما أُخِذت الكلالة منه على قولين : أحدهما : أنها مأخوذة من الإكليل المحيط بالرأس ، فكأنها تكللت ؛ أي : أحاطتْ بالميت من كلا طرفيه ؛ ولذلك قال :

ورثتم قناة الملك لا عن كلالة عن ابنيْ مناف عبد شمسٍ وهاشمِ
ج٢ / ص١٧٢وقال آخر :
وإِنَّ أَبَا الْمَرْءِ أحْمَى له وموْلَى الكَلالَةِ لا يَغْضَبُ
والثاني : أنها مأخوذة من الكلال ، وهو الإعياء ، فكأنه يصل الميراث بالوارث بها عن بُعْدٍ وإعياء ، فكأن الرحم كلّت عن وارث قريب ؛ قال الأعشى :
فآليت لا أرثي لها عن كلالة ولا من وَجىً حتى تلاقي محمدًا
ثم مقتضى هذه الآية الأولى : أن كل واحد من الأخوين له السدس ، سواء كان أحدهما ذكرًا أو أنثى ، فإن كانوا أكثر اشتركوا في الثلث ، ومقتضى الآية الثانية : أن للأخت النصف ، وللاثنتين الثلثين ، ولم يبين في واحدة من الآيتين الأخوة ، هل هي لأم ، أو لأب ، أو لهما ، ثم إذا تنزّلْنا على أن الأخوة من الأولى للأم ، وفي الثانية للأب ، أو أشقاء ، فهل ذلك فرضهم إذا انفردوا ؟ أو يكون ذلك فرضهم وإن كان معهم بعض الورثة ؟ كل ذلك أمور مطلوبة ، والوصول إلى تحقيق تلك المطالب عسير ، وسنبيّن الصحيح من ذلك كله ، في الفرائض إن شاء الله تعالى . فلما استشكلت على عمر هذه الوجوه تَشَوَّف إلى معرفتها بطريق يزيح له الإشكال ، فألَحّ على النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسؤال عن ذلك ، حتى ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - على صدره ، وأغلظ عليه في ذلك ردعًا له عن الإلحاح ؛ إِذْ كان قد نَهَى عن كثرة السؤال ، وتنبيهًا له على الاكتفاء بالبحث عمَّا في الكتاب من ذلك ، وعلى أن الكتاب يبين بعضه بعضًا . وقال الخطابي : يشبه أن يكون لم يُفْتِه ، ووكل الأمر إلى بيان الآية اعتمادًا على علمه وفهمه ؛ ليتوصل إلى معرفتها بالاجتهاد .

ولو كان السائل ممن لا فهم له ، لبيّن له البيان الشافي . قال : وإن الله أنزل في الكلالة آيتين : إحداهما في الشتاء ، وهي التي في أول سورة النساء ، وفيها إجمال وإبهام لا يكاد يَبِينُ المعنى من ظاهرها ، ثم أنزل الآية التي في آخر النساء في الصيف ، وفيها زيادة بيان . ج٢ / ص١٧٣وقوله : وإني إن أعش أقض فيها بقضيّة يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ .

هذا يدل على أنه كان اتضح له وجه الصواب فيها ، وأنه كان قد استعمل فكره فيها ، حتى فهم ذلك ، وأنه أراد أن يوضِّح ذلك على غاية الإيضاح ، ولم يتمكن من ذلك في ذلك الوقت الحاضر ؛ للعوائق والموانع ، ثم فاجأته المنيّة - رضي الله عنه - ، ولم يُرْوَ عنه فيها شيء من ذلك ، لكن قد اهتدى علماء السلف لفهم الآيتين ، وأوضحوا ذلك ، فتبيّن الصبح لذي عينين ، وسيأتي ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى . وقوله : فليمتهما طبخًا ؛ أي : ليذهب رائحتهما ، ويكسرهما بالطبخ . وكسر قوة كل شيء إماتته وقتله ، ومنه قولهم : قَتَلْتُ الخمر : إذا مزجتها بالماء وكسرتها .

وقد تقدم القول في الخبيث ، وفي الشجر .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث