باب ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها
( 870 ) [741] - وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ : أَنَّ رَجُلا خَطَبَ عِنْدَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ : مَنْ يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ، وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ ، قُلْ : وَمَنْ يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ . وقوله للخطيب الذي قال : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فقد غوى : ظاهره : أنه أنكر عليه جمع اسم الله واسم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في ضمير واحد ، ويعارضه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال في خطبته : من يطع الله ورسوله فقد رشد ، ومن يعصهما فإنه لا يضرّ إلا نفسه .
وفي حديث أنس : ومن يعصهما فقد غوى . وهما صحيحان ، ويعارضه أيضًا قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ فجمع بين ضمير اسم الله وملائكته ، ولهذه المعارضة صرف بعض القُرَّاء هذا الذّم إلى أن ذلك الخطيب وقف على : ومن يعصهما ، وهذا تأويل لم تساعده الرواية ؛ فإن ج٢ / ص٥١١الرواية الصحيحة أنه أتى باللفظين في مساق واحد ، وأن آخر كلامه إنما هو : فقد غوى . ثم إن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردّ عليه وعلّمه صواب ما أخلّ به ، فقال : قل : ومن يعص الله ورسوله فقد غوى ؛ فظهر أن ذمّه له إنما كان على الجمع بين الاسمين في الضمير ، وحينئذ يتوجه الإشكال ، ونتخلّص عنه من أوجه : أحدها : أن المتكلم لا يدخل تحت خطاب نفسه إذا وجّهه لغيره ، فقوله - صلى الله عليه وسلم - : بئس الخطيب أنت منصرف لغير النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظًا ومعنى .
وثانيها : أن إنكاره - صلى الله عليه وسلم - على ذلك الخطيب يحتمل أن يكون كأن هناك من يتوهم التسوية من جمعهما في الضمير الواحد ، فمنع ذلك لأجله ، وحيث عُدِمَ ذلك جاز الإطلاق . وثالثها : أن ذلك الجمع تشريف ، ولله تعالى أن يُشرف من شاء بما شاء ، ويمنع من مثل ذلك للغير ؛ كما قد أقسم بكثير من المخلوقات ، ومنعنا من القسم بها ، فقال سبحانه وتعالى : إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ، وكذلك أذن لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في إطلاق مثل ذلك ، ومنع منه الغير على لسان نبيه . ورابعها : أن العمل بخبر المنع أولى لأوجه ؛ لأنه تقعيد قاعدة ، والخبر ج٢ / ص٥١٢الآخر يحتمل الخصوص ، كما قررناه ؛ ولأن لهذا الخبر ناقل ، والآخر مُبقىً على الأصل ؛ فكان الأول أولى ؛ ولأنه قول ، والثاني فعل ؛ فكان أولى .
والله أعلم .