باب الحض على الصدقة والنفقة على العيال والأقربين
[863] وَعَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِيٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً ، وَكَانَ أَحَبُّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَاء وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ ، وَكَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ ، قَالَ أَنَسٌ : فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَقَالَ : إِنَّ اللهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرَحَاء ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ! حيث شِئْتَ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ، قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ ) ، فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ . وَفِي رِوَايَةٍ : قَالَ اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ ، قَالَ : فَجَعَلَهَا فِي حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وقوله في حديث أبي طلحة : وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ، رويت هذه اللفظة بكسر الباء بواحدة ، وبفتح الراء وضمها وبمدها ، وقصرها ، فالنصب على أنه خبر كان ، وحينئذ ترفع أحب على أنه اسمها ، ورفع بير على أنه اسم كان ، وحينئذ تنصب أحب على أنه خبرها . فأما مد حاء وقصرها فلغتان ، وهو حائط نخل سمي بهذا الاسم ، بموضع يعرف بقصر بني جديلة ، وليس ببئر ؛ ولذلك قال الباجي : قرأت هذه اللفظة على أبي ذر الهروي بنصب الراء على كل حال ، وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق .
وقال لي الصوري : بيرحاء ؛ بنصب الراء ، قال : وبالرفع قرأناه على شيوخنا الأندلسيين . وقد روى هذا الحرف في الأم : حماد بن سلمة : بَرِيحَاء بكسر الراء وفتح الباء . وقوله تعالى : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قال الحسن : لن تكونوا أبرارًا حتى تبذلوا كبير أموالكم .
أبو بكر الوراق : لن تنالوا برِّي بكم حتى تبروا إخوانكم . قال ابن عباس -رضي الله عنهما- : هو الجنَّة . وقال مجاهد : ثواب البر .
وقوله : ( بخ ) ؛ بالإسكان والكسر من غير تنوين ، وبالتنوين ، وقد ذكر الأحمر فيها التشديد . وقد روي فيها الرفع . وقال بعضهم : فإذا كرَّرت فالاختيار فيها التحريك والتنوين في الأول ، والتسكين في الثاني .
قال أبو بكر : معناه : تعظيم الأمر وتفخيمه . وسكنت الخاء فيه كما سكنت اللام في هل وبل . ومن قال بخ بالخفض والتنوين شبهه بالأصوات ، كصَهٍ ومَهٍ ، وقال ابن السكيت : بَخٍ ، بَخْ وبَهٍ وبه .
وقوله : ( ذلك مال رابح ) ؛ المشهور : رابح بالباء بواحدة من الربح . ووصف المال بالرابح ؛ لأنه بسببه يربح ، كما قال تعالى : فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وهذا مذهب العرب في لابن وتامر ؛ أي : ذو لبن وتمر ، كما قال النابغة : كليني لهمٍّ يا أُمَيمةَ ناصبِ . أي : ذو نصب .
وقد روي : رايح ، بالياء باثنتين ، اسم فاعل من راح ، ومعناه : قربت الفائدة . وقيل : غير بعيد . وقال ابن دينار : يروح أجره عليه في الآخرة .
وقال غيره : يروح عليه كلما أثمرت الثمار . وفي هذا الحديث أبواب من الفقه : منها : صحة الصدقة المطلقة ، والحبس المطلق ، وهو الذي لم يعين مصرفه ، وبعد هذا يعين . ومنها : صحة الوكالة ؛ لقوله : ( ضعه حيث شئت ) .
ومنها : إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الْحُبُس . وقد روي : أنها بقيت وقــفًا بأيدي بني عمّه . وبه احتج غير واحد من العلماء على جواز تحبيس الأصول على الكوفيين .
لكن قد روي من طريق صحيحة : أن حسَّان باع نصيبه من معاوية ، فقيل له : تبيع صدقة أبي طلحة ؟ فقال : ألا أبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم ؟ وعلى هذا فلا يكون فيه ما يدل على صحة الوقــف . ومنها : مراعاة القرابة ، وإن بَعُدوا في النسب ؛ إذ بين أبي طلحة وحسَّان وأُبيّ آباء كثيرة ، وإنما يجتمعان مع أبي طلحة في عمرو بن مالك بن النجار ، [وهو السابع من آبائهم . وقال أبو عمر : إن حسَّان يجتمع معه في حرام ] ، وهو الجد الثالث ، وأُبيّ يجتمع معه في عمرو ، وهو الجد السابع ، إلى غير ذلك ، فتأمل ما فيه .