باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال ولا استشراف
) باب إباحة الأخذ لمن أعطي من غير سؤال ولا استشراف 1045 [912] عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ : قَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ : أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي ، حَتَّى أَعْطَانِي مَرَّةً مَالاً فَقُلْتُ : أَعْطِهِ أَفْقَرَ إِلَيْهِ مِنِّي . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( خُذْهُ وَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلا سَائِلٍ فَخُذْهُ . وَمَا لا ، فَلا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ ) .
( 22 ) ومن باب: إباحة الأخذ من غير سؤال قول عمر رضي الله عنه : أعطه أفقر إليه مني ؛ دليل : على زهده ، وإيثاره لغيره على نفسه . وقوله له : خذه ؛ أمرٌ على جهة الندب والإرشاد للمصلحة . وقوله : ( وأنت غير مشرف ولا سائل ) ؛ إشراف النفس : تطلعها ، وتشوُّفها ، وشرحها لأخذ المال .
ولا شك أن هذه الأمور إذا كانت هي الباعثة على الأخذ للمال ؛ كان ذلك من أدلِّ دليل على شدّة الرغبة في الدنيا والحب لها ، وعدم الزهد فيها ، والركون إليها ، والتوسّع فيها ، وكل ذلك أحوال مذمومة ، فنهاه عن الأخذ على هذه الحالة ، اجتنابًا للمذموم ، وقمعًا لدواعي النفس ، ومخالفة لها في هواها ، فإن من لم يكن كذلك جاز له الأخذ للأمن من تلك العلل المذمومة . قال الطحاوي : وليس معنى هذا الحديث في الصدقات ، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم . وقال الطبريّ : اختلف الناس فيما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به عمر رضي الله عنه من ذلك ، بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد ؛ فقيل : هو ندبٌ إلى عطية السلطان وغيره .
وقيل : بل ذلك إلى عطية غير السلطان ، وأما عطية السلطان فقد حرمها قوم وكرهها آخرون . فأما من حمل الحديث على عطية السلطان ، وأنها مندوبٌ إليها ، فذلك إنما يصحّ أن يقال : إذا كانت أموالهم كما كانت أموال سلاطين السلف ؛ مأخوذة من وجوهها ، غير ممنوعة من مستحقيها . فأما اليوم : فالأخذ إما حرام وإما مكروه ، والله تعالى أعلم .
وقوله : ( فلا تتبعه نفسك ) ؛ أي : لا تُعَلِّقْها ، ولا تُطمِعْها في ذلك ، فإذا فعلت ذلك بها سكنت ويئست . وهذا النهي على الكراهة يرشد إلى المصلحة التي في الأعراض .