حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب الغنى غِنَى النفس وما يخاف من زهرة الدنيا وفضل التعفف والقناعة

( 121 - 132 ) [919] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ( أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا . قَالُوا : وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللهِ ؟ قَالَ : ( بَرَكَاتُ الأَرْضِ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللهِ! وَهَلْ يَأْتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ ؟ قَالَ : لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرِ ، لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرِ ، لا يَأْتِي الْخَيْرُ إِلا بِالْخَيْرِ . وَفِي رِوَايَةٍ أَوَخَيْر هُوَ ؟ ، إِنَّ كُلَّ مَا يَنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ حَبِطًا أَوْ يُلِمُّ إِلا آكِلَةَ الْخَضِرِ فَإِنَّهَا تَأْكُلُ ، حَتَّى إِذَا امتلأت خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ ثُمَّ اجْتَرَّتْ .

وَبَالَتْ وَثَلَطَتْ ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ ، فإن هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ . وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ ) . وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرٌ حُلْوٌ ، وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ لِمَنْ أَعْطَى مِنْهُ الْمِسْكِينَ وَالْيَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلَ - أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - .

وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَانَ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلا يَشْبَعُ ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) . و ( زهرة الدنيا ) : زينتها ، وما يزهر منها ، مأخوذ من زهر الأشجار ، وهو ما يصفر من نَوَّارها . والنوْر : هو الأبيض منها ، وهذا قول ابن الأعرابي .

وحكى أبو حنيفة : أن النوْرَ والزهر سواء . وقد فسّرها - صلى الله عليه وسلم - : بأنها بركات الأرض ؛ أي : ما تزهر به الأرض من الخيرات والخصب . و( قول السائل ) : وهل يأتي الخير بالشر ؟ سؤال من استبعد حصول شرّ من شيء سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : بركات ، وسماه خَيْرًا في قوله تعالى : ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ وشبهه مما سُمِّي المال فيه: خيرًا .

فلما فهم - صلى الله عليه وسلم - من سؤاله هذا الاستبعاد أجابه جواب من بقي عنده اعتقاد: أن الخير الذي هو المال قد يعرض له أن يحصل عنه شر ؛ إذا تعدى به حده وأسرف فيه ، ومنع من حقه ، ولذلك قال : أوخير هو ؟ بهمزة الاستفهام ، وواو العطف الواقعة بعدها المفتوحة على الرواية الصحيحة ، منكرًا على من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلاً ، لا بالذات ، ولا بالعرض . وقوله : ( إن كل ما ينبت الربيع يقتل حَبَطًا أو يُلِمُّ ) ، الربيع : الجدول الذي يسقى به . والجمع : أربعاء .

والجدول : النهر الصغير ، الذي ينفجر من النهر الكبير . والحبط : الانتفاخ ، يقال : حبطت الدابة تَحْبط ، إذا انتفخ بطنها من كثرة الأكل ، وربما تموت من ذلك ، وأصل الحبط : الإبطال والإفساد . ومنه : فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ؛ أي : بطلت .

و يلم ؛ أي : يقرب من الموت ، وأصله : من ألم بالمكان ؛ إذا نزل به . ومنه قول الشاعر : متى تأتنا تُلْمِمْ بنا في ديارنا أي : تنزل . قال الأزهري : هذا الخبر إذا بتر لم يكد يفهم ، وفيه مثلان ، ضُرب أحدهما للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها ، وضرب الآخر للمقتصد في أخذها والانتفاع بها .

فأما قوله : ( وإن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا ) ، فهو مثل للمفرط الذي يأخذها بغير حق ؛ وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول والعشب ، فتستكثر منها الماشية ، حتى تنتفخ بطونها لما جاوزت حدّ الاحتمال ، فتنشق أمعاؤها وتهلك ، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ، ويمنع ذا الحقّ حقه ، فيهلك في الآخرة بدخوله النار . وأما مثل المقتصد ، فقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إلا آكلة الْخَضِر ) إلى آخره ، وذلك أن الْخَضِر ليست من أحرار البقول التي ينبتها الربيع ، ولكنها من الْجَنْبَة التي ترعاها المواشي بعد تهيج البقول ، فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - آكلة الخضر من المواشي مثلا لمن يقتصد في أخذه الدنيا وجمعها ، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها ، فهو ينجو من وبالها كما نجت آكلة الخضر ، ألا تراه - صلى الله عليه وسلم - قال : ( فإنها إذا أصابت من الخضر استقبلت عين الشمس ، فثلطت وبالت ) ؛ أراد أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة الشمس ؛ لتستمرئ بذلك ما أكلت ، وتجتر ، وتثلط ، وإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط ، وإنما تحبط الماشية لأنها لا تثلط ، ولا تبول . هذا آخر كلام الأزهري .

والثلط : ما تلقيه الماشية سهلاً رقيقًا ، يقال منه : ثَلَطَ يثْلط ثلطًا . واجترت ؛ أي : مضغت جرتها ، وهو ما أخرجته من جوفها إلى فيها مما رعته . والخَضِر : كلأ الصيف .

قال الأزهري : هو - هنا - ضرب من الْجَنْبة . وهي من الكلأ ما له أصل غامض في الأرض ، واحدتها خضرة . ووقع في رواية العذري : إلا آكلة الخَضِرة - بفتح الخاء ، وكسر الضاد - على الإفراد .

كما قال الأزهري . وعند الطبري : الْخُضْرَة : بضم الخاء ، وسكون الضاد . والرواية الصحيحة : إلا آكلة الخضرة بإلَّا المشددة ، للاستثناء ، وهو الواضح .

ووقع لبعضهم : ألا ، التي للاستفتاح ، وبُعْدُها واضح ، وفيها تكلُّف . وقوله : ( ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة ) ؛ يحتمل البقاء على ظاهره ، وهو أنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت منه بما فعل فيه ، أو يمثل له أمثال حيوانات ، كما جاء في مال مانع الزكاة من أنه يمثل له ماله شجاعًا أقرع ، أو يشهد عليه الموكلون بكتب الكسب والإنفاق وإحصاء ذلك ، والله تعالى أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث