باب لا تَحِلُّ الصدقة لمحمد ولا لآلِ محمد ومن يستعمل على الصدقة
[941] وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّ بِتَمْرَةٍ بِالطَّرِيقِ ، فَقَالَ : ( لَوْلا أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا ) . وقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد وجد تمرة في الطريق - : ( لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها ) ؛ هذا منه - صلى الله عليه وسلم - ورع وتنزّه . وإلا فالغالب تمر غير الصدقة ؛ لأنه الأصل ، وتمر الصدقة قليل ، والحكم للغالب في القواعد الشرعية .
وفيه دليل : على أن اللُّقَطَة اليسيرة التي لا تتعلّق بها نفس فاقدها لا تحتاج إلى تعريف . وأنها تستباح من غير ذلك ؛ لأنه علّل امتناعه من أكلها: هو خوفه أن تكون من الصدقة ، ثم إن دليل خطابه أنها لو سلمت من ذلك المانع لأكلها . وهذه الأحاديث كلها مع قوله : ( إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ، ولا لآل محمد ) ؛ تدل على أن الصدقة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله محرّمة .
وهل يعمّ التحريم الواجبات وغيرها ، أو يخص الواجبة ؟ اختلف فيه : فذهب مالك وأبو حنيفة في أحد قوليه: إلى أن المحرّم الواجبة فقط . وحكى ابن القصار عن بعض أصحابنا : أن المحرّم صدقة التطوع دون الفريضة ؛ لأنها لا مِنَّةَ فيها . وقال أبو حنيفة أيضًا : إنها كلّها حلال لبني هاشم وغيرهم .
وإنما كان ذلك محرمًا عليهم ؛ إذ كانوا يأخذون سهم ذي القربى ، فلما قطع عنهم حلت لهم ، ونحوه عن الأبهري من شيوخنا . وروي عن أبي يوسف : أنها حرام عليهم من غيرهم ، حلال لهم صدقة بعضهم على بعض . قلت : والظاهر من هذه الأحاديث أنها محرمة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله ، فرضُها ونفلُها ؛ تمسُّكًا بالعمومات .
ومن جهةِ المعنى: بأن الصدقة أوساخ الناس ، وبأن اليد العليا خير من اليد السفلى ، ولا يد أعلى من يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولا أيدي آله . فقد أكرمهم الله ، وأعلى مقاديرهم ، وجعل أيديهم فوق كل يد . وسهم ذي القربى واجب إخراجه وإيصاله إليهم على كل من ولي شيئًا من أمور المسلمين إلى يوم القيامة .
فلو منعوا ولم يقدروا على إيصالهم إلى حقوقهم وجب سدّ خلاتهم ، والقيام بحاجاتهم على أهل القدرة من المسلمين لا على وجه الصدقة ، بل على جهة القيام بالحقوق الواجبة في الأموال ، ويكون حكمهم كحكم الحقوق المرتبة على بيت مال المسلمين ، فلا يوصل إليها لفكاك الأسارى ونفقة اللقطاء ، وسدّ خلات الضعفاء والفقراء إذا لم يوصل إلى أخذ ذلك من بيت المال . واختلف في: مَن آل النبي - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال مالك وأكثر أصحابه : هم بنو هاشم خاصة ، ومثله عن أبي حنيفة ، واستثني آل أبي لهب . وقال الشافعي : هم بنو هاشم ، ويدخل فيهم بنو المطلب أخي هاشم دون سائر بني عبد مناف ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أنا وبنو المطلب شيء واحد ) ، ولقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم مع بني هاشم سهم ذي القربى دون غيرهم .
ونحا إلى هذا بعض شيوخنا المالكية . وقال أصبغ : هم عشيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - الأقربون الذين أُمِر بإنذارهم : آل قصي ، قال : وقيل : قريش كلّها . قلت : وفي الأم : أن زيد بن أرقم سئل عن أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - من هم ؟ فقال : أهل بيته من حُرِمَ الصدقة بعده ، قال : ومن هم ؟ قال : هم آل عليٍّ ، وآل عَقيل ، وآل جعفر ، وآل عباس ، فقال : كل هؤلاء حرم الصدقة ؟ قال : نعم .
وهذا يؤيد قول مالك . فإن هؤلاء كلُّهم بنو هاشم . واختلف في مواليهم ، فمالك والشافعي يبيحانها لهم ، والكوفيون وكثير من أصحاب مالك يحرمونها عليهم .