باب لا تَحِلُّ الصدقة لمحمد ولا لآلِ محمد ومن يستعمل على الصدقة
[942] وَعَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالا : وَاللهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ الْغُلامَيْنِ - قَالَ لِي وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ - إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَكَلَّمَاهُ ، فَأَمَّرَهُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَاتِ فَأَدَّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ وَأَصَابَا مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ ، قَالَ : فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ جَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَوَقــفَ عَلَيْهِمَا . فَذَكَرَا لَهُ ذَلِكَ ، فَقَالَ عَلِيُّ : لا تَفْعَلا . فَوَاللهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ ، فَانْتَحَاهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، فَقَالَ : وَاللهِ مَا تَصْنَعُ هَذَا إِلا نَفَاسَةً مِنْكَ عَلَيْنَا ، فَوَاللهِ لَقَدْ نِلْتَ صِهْرَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْكَ .
قَالَ عَلِيٌّ أَرْسِلُوهُمَا فَانْطَلَقَا . وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إِلَى الْحُجْرَةِ ، فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا ، ثُمَّ قَالَ : ( أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ ) ثُمَّ دَخَلَ وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ ، قَالَ : فَتَوَاكَلْنَا الْكَلامَ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ ! أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ وَأَوْصَلُ النَّاسِ ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ ، فَجِئْنَا لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، فَنُؤَدِّيَ إِلَيْكَ كَمَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ . قَالَ : فَسَكَتَ طَوِيلاً ، ثم أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ ، قَالَ : وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ تُلْمِعُ إِلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَنْ لا تُكَلِّمَاهُ قَالَ : ثُمَّ قَالَ : ( إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِي لآلِ مُحَمَّدٍ ، إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، ادْعُوَا لِي مَحْمِيَةَ - وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ - وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
قَالَ : فَجَاءَاهُ فَقَالَ لِمَحْمِيَةَ : ( أَنْكِحْ هَذَا الْغُلامَ ابْنَتَكَ لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ ) فَأَنْكَحَهُ ، وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ : ( أَنْكِحْ هَذَا الْغُلامَ ابْنَتَكَ - لِي ، فَأَنْكَحَنِي ، وَقَالَ لِمَحْمِيَةَ : ( أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنَ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا ) . وَفِي رِوَايَةٍ : ( وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لآلِ مُحَمَّدٍ ) . وقوله : فانتحاه ربيعة بن الحارث ؛ أي : عرض له وقصده .
والنحو : القصد ، ومنه علم النحو . وقوله : والله ما يفعل هذا إلا نفاسة علينا ، هذه يمين وقعت من ربيعة على اعتقاده ، فهي من قبيل اللغو ، والنفاسة: في الخير ، ومنه قوله تعالى : وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ وقوله : فما نفسناه عليك ؛ أي : ما تمنينا أن يكون لنا دونك . وقوله : ( أخرجا ما تَصُرَّران ) ؛ أي : ما تجمعانه في صدوركما ، وكل شيء جمعته فقد صررته ، ومنه : صرُّ الدراهم ، وهو جمعها في الصرة .
وقوله : قد بلغنا النكاح ؛ أي : الحلم ، ومنه قوله تعالى : حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ . وقول علي في الأم : أنا أبو حسن القَرْم ، والله لا أَريم مَكَاني حتى يرجعَ إليكما ابناكما بِحَور ما بَعَثْتُما به ؛ إنما قال : أبو حسن القرْم ؛ لأجل الذي كان عنده من علم ذلك ، وكان رضي الله عنه يقول هذه الكلمة عند الأخذ في قضية تشكل على غيره وهو يعرفها ، ولذلك جرى كلامه هذا مجرى المثل ، حتى قالوا : قضية ولا أبا حسن ؛ أي : هذه قضية مشكلة ، وليس هناك من يبينها ، كما كان يفعل أبو حسن الذي هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وأتوا بأبي حسن بعد لا النافية للنكرة على إرادة التنكير . أي : ليس هناك واحد ممن يسمى أبا حسن ، كما قالوا : أرى الحاجات عند أبي خُبَيب نُكِدْنَ ولا أمية في البلاد أي : لا واحدٌ ممن يُسمى أمية .
و القَرْم : أصله الفحل من الإبل ، ويستعار للرجل الكبير المجرّب الأمور . وهذه رواية القاضي الشهير - بالراء - والرفع على النعت لأبي حسن . وقد روي : بالواو مكان الراء بإضافة حسن إليه ، وهي رواية ابن أبي جعفر ، ووجهها : كأنه قال : أنا عالم القوم وذو رأيهم .
وقد رُوي عن أبي بحر : أبو حسنٌ ، بالتنوين ، وبعده : القرم ، بالرفع ؛ أي : أنا من علمتم أيها القوم ، وهذه الرواية أبعدها . وقوله : لا أريم ؛ أي : لا أزال ولا أبرح من مكاني هذا . قال زهير : لِمَنْ طَللُ بِرَامَةَ لا يرَيم عَفَا وخَلاله عُقبٌ قديم و بحور ما بعثتما به ؛ أي : بجوابه .
يقال : كلَّمتُه فما ردّ حورًا ولا حويرًا ؛ أي : جوابًا . قلت : وأصل الحور : الرجوع ، ومنه قوله تعالى : ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ ﴾؛ أي : أن لن يرجع . و ابناكما على التثنية هو الصحيح ، ووقع لبعض الشيوخ : أبناؤكما على الجمع ، وهو وهم ، فإنه قد نصّ على أنهما اثنان .
وقوله : فتواكلنا الكلام ؛ أي : وكل بعضهم إلى بعض الكلام ، فكأنهما توقــفا قليلاً إلى أن بدر أحدهما فتكلم . وقوله : فجعلت زينب تُلمع من وراء الحجاب ؛ أي : تشير ، يقال : ألمع بثوبه وبيده ، وأومأ برأسه ، وأومض بعينه . وقوله : ( إنما هي أوساخ الناس ) ، إنما كانت الصدقة كذلك ؛ لأنها تطهرهم من البخل ، وأموالهم من إثم الكنز ، فصارت كماء الغسالة التي تعاب .
ومساق الحديث والتعليل يقتضي أنها لا تحل لأحد من آل النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما قدمناه ، وإن كانوا عاملين عليها ، وهو رأي الجمهور وقد ذهب إلى جوازها لهم إذا كانوا عاملين عليها ؛ أبو يوسف والطحاوي ، والحديث ردّ عليهم . و محمية مخففة الياء على وزن مَفْعِلة ، من حميت المكان ، أحميه . وهو ابن جَزْء ، بهمزة بعد الزاي الساكنة - على وزن : كلب ، كذا قاله الحفاظ المتقنون .
قال عبد الغني : ويقال : جَزِي - بكسر الزاي - ، وقال أبو عبيد : هو عندنا : جزّ مشدد الزاي ، وقال مسلم : إنه من بني أسد . والمشهور المحفوظ : أنه من بني زبيد .