باب دعاء المصدق لِمن جاء بصدقته والوصاة بالمصدق
[948] وَعَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ : جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا : إِنَّ أنَاسًا مِنَ الْمُصَدِّقِينَ يَأْتُونَنَا فَيَظْلِمُونَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : ( أَرْضُوا مُصَدِّقِيكُمْ ) . قَالَ جَرِيرٌ : مَا صَدَرَ عَنِّي مُصَدِّقٌ مُنْذُ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلا هُوَ عَنِّي رَاضٍ . وَفِي رِوَايَةٍ : ( إِذَا أَتَاكُمْ المُصَدِّق فليَصِدُر عَنْكُمْ وَهوَ عَنْكُم رَاضٍ ) .
وقول جرير : جاء ناس من الأعراب ؛ يريد : أهل البادية . وقد ذكرنا الفرق بين الأعرابي والعربي ، ولا شك أن أهل البادية أهل جفاء وجهل غالبًا ، ولذلك قال تعالى : الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، ولذلك نسبوا الظلم إلى مُصَدِّقي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإلى فضلاء أصحابه ، فإنه ما كان يستعمل على ذلك إلا أعلم الناس وأعدلهم ، لكن لجهل الأعراب بحدود الله ظنوا : أن ذلك القدر الذي كانوا يأخذونه منهم هو ظلم ، فقال لهم - صلى الله عليه وسلم - : ( أرضوا مصدِّقيكم وإن ظُلِمْتم ) ؛ أي على زعمكم وظنكم ، لا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سوّغ للعمال الظلم ، وأمر الأعراب بالانقياد لذلك ؛ لأنه كان يكون ذلك منه إقرارًا على منكر ، وإغراءً بالظلم ، وذلك محال قطعًا . وإنما سلك النبي - صلى الله عليه وسلم - مع هؤلاء هذا الطريق دون أن يبين لهم أن ذلك الذي أخذه المصدقون ليس ظلمًا ؛ لأن هذا يحتاج إلى تطويل وتقرير ، وقد لا يفهم ذلك أكثرهم .
وأيضًا فليحصل منهم الانقياد الكلي بالتسليم وترك الاعتراض الذي لا يحصل الإيمان إلا بعد حصوله ، كما قال تعالى : ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾والله تعالى أعلم .