حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
المفهم لما أشكل من تلخيص مسلم

باب في قوله تعالى حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ

[961] وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُؤَذِّنَانِ: بِلَالٌ ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ بِلَالاً يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا . وقوله : ( إن بلالاً ينادي بليل ) ؛ هذا النداء هو أذان الفجر عند الجمهور . وحكمته عندهم : الهبوب من النوم ، والتأهب لصلاة الصبح .

واختصت الصبح بذلك ؛ لأن الأفضل فيها إيقاعها في أول وقتها مطلقًا ، فيلزم من المحافظة على إيقاعها في أول وقتها التأهب لها قبل وقتها ، وقبلها نوم الليل المستصحب ، فاقتضى مجموع ذلك أن يُنْصَب من يوقظ الناس قبل وقتها ، فكان ذلك بالأذان . وذهب أبو حنيفة والثوري : إلى أن هذا الأذان إنما فائدته ما نص عليه في الحديث الآخر : ( ليوقظ نائمكم ، ويرجع قائمكم ) ، والإعلام بوقت السّحور لا يكتفى به للفجر ، بل لا بدَّ من آذان آخر إذا طلع الفجر ، كما كان يؤذن ابن أم مكتوم . ومتمسكهما من حديث بلال وابن أم مكتوم واضح ، غير أن العمل المنقول بالمدينة على تقديم أذان الفجر قبله .

ثم اختلف الجمهور في الوقت الذي يؤذن فيه للفجر : فأكثرهم قال : السدس الأخير من الليل . وقيل : النصف . وقيل : بعد خروج وقت العشاء الآخرة .

وهذه الأقاويل الثلاثة في مذهبنا . وقوله : ( ولم يكن بينهما إلا أن يرقى هذا وينزل هذا ) . وفي البخاري من حديث عائشة -رضي الله عنها- ، عن ابن أم مكتوم : فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ، وقال فيه : قال القاسم : ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا .

وفي الموطأ : وكان ابن أم مكتوم رجلاً أعمى ، لا يؤذن حتى يقال له : أصبحت ، أصبحت . ومثله في البخاري أيضًا . قلت : وقد أشكل قول القاسم مع مساق حديث بلال وابن أم مكتوم ؛ وذلك : أن حديث بلال يقتضي : أن بين وقت أذانه وطلوع الفجر زمانًا طويلاً يتسع لصلاة الليل وللسّحور ، وأذان ابن أم مكتوم يقتضي : أنه كان لا يؤذن حتى يطلع الفجر ، ثم قال القاسم : لم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا ، وينزل ذا .

وهذا الوقت لا يتسع لشيء من الصلاة ، ولا من السّحور ، فتناقضا . وقد انفصل عنه من وجهين : أحدهما : أن هذا كان من بلال في بعض الأوقات ، لا في غالبها ، بل كان غالب أحواله : أن يوسع بين أذانه وبين طلوع الفجر . وقد روي : أنه أذن عند طلوع الفجر .

وثانيهما - وهو الأشبه - : أن بلالاً كان يؤذن قبل طلوع الفجر ، فيجلس في موضع أذانه يذكر الله ويدعو حتى ينظر إلى تباشير الفجر ومقدماته ، فينزل ، فيعلم ابن أم مكتوم بالفجر ، ولعله هو الذي كان يقول له : أصبحت ، أصبحت ؛ أي : قاربت الصباح . وعند ذلك يرقى ابن أم مكتوم ، فيؤذن ، والله تعالى أعلم . فقول القاسم في رواية البخاري : ( بين أذانهما ) ؛ معناه : بينهما ، كما قال في حديث ابن عمر : ( ولم يكن بينهما ) ؛ أي : لم يكن بين نزول بلال وصعود ابن أم مكتوم طويل زمن ، بل بنفس ما ينزل أحدهما يصعد الآخر من غير تراخ ، والله تعالى أعلم .

وقوله : ( إن بلالاً ينادي بليل ) ؛ دليل على أن ما بعد الفجر لا يقال عليه ليل ، بل هو أول اليوم المأمور بصومه . وقوله : ( حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) ؛ أي : حتى يشرع في الأذان ، وهذا ظاهره . ويحتمل : حتى يفرغ من الأذان .

ويؤيد هذا الاحتمال : ما ذكره أبو داود من حديث أبي هريرة الذي قال فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمع أحدُكم النداء والإناء على يده فلا يضعه حتى يقضي حاجته منه ) . وهذا هو أذان ابن أم مكتوم ، فإنه مشعر بأن هذا إنما يفعل عند ضيق الوقت ، ولا يصح أن يرد إلى حديث ابن عمر ؛ لأن ذلك صرح فيه بالتراخي والتوسعة تقتضي أكثر من هذا الوقت ، وعلى هذا : فيكون قوله في أذان ابن أم مكتوم : ( حتى يطلع الفجر ) ؛ أي : يقارب . وكذلك ( أصبحت ) ؛ أي : قاربت الدخول في الصباح .

وهذا التأويل على ما قررناه في حدِّ الصوم : من أن الواجب إمساك جميع أجزاء اليوم ، وحالة : طلوع الفجر من اليوم ، فلا بد من إمساكها ، ويلزم من إمساكها : إمساك جزء من الليل حتى يأمن من الأكل فيما هو جزء من اليوم ، وعلى هذا فأول التبين هو المحرم بنفسه ، لكن اختلف في هذا التبين بالنسبة إلى ماذا يكون : فذهب الجمهور وفقهاء الأمصار والأعصار : إلى أنه أول تبين الفجر في الأفق الذاهب فيه عرضًا . وروي عن عثمان ، وحذيفة ، وابن عباس ، وطلق بن علي ، وعطاء بن أبي رباح ، والأعمش ، وغيرهم : أن الإمساك يجب لتبين الفجر بالطرق وعلى رؤوس الجبال . وقد قيل لحذيفة : إني حين تسحرت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ فقال : هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع .

وروي عن علي رضي الله عنه : أنه صلى الصبح ، ثم قال : الآن تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود . قال الطبري : ومما قادهم إلى هذا القول: أن الصوم إنما هو في النهار ، والنهار عندهم: من طلوع الشمس ، وآخره غروبها ، [فأوله طلوعها] ، وحكى النقاش عن الخليل : أن النَّهار من طلوع الفجر . ويدل على ذلك قوله تعالى : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ قلت : وما قاله الطبري ليس بصحيح ؛ لأن الله تعالى : إنما أمر بصوم ما يقال عليه يوم ، لا بما يقال عليه نهار ، وكأنه لم يسمع قوله تعالى : أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ

هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث