باب فضل الصيام والأمر بالتحفظ به من الجهل والرفث
) باب فضل الصيام ، والأمر بالتحفظ به من الجهل والرفث 1151 ( 163 و 164 ) [1018] عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قال رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- : قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ فإنه لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ ، وَلَا يَسْخَبْ ( وفي رواية: ولا يجهل ) فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِه . وِفِي رِوَايَة : كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ: إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي . ( 19 ) ومن باب: فضل الصيام قوله : ( كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي ) ؛ اختلف في معنى هذا على أقوال : أحدها : أن أعمال بني آدم يمكن الرياء فيها ، فيكون لهم ، إلا الصيام فإنه لا يمكن فيه إلا الإخلاص ؛ لأن حال الممسك شبعًا ، كحال الممسك تقربًا ، وارتضاه المازري .
وثانيها : أن أعمال بني آدم كلها لهم فيها حظٌّ إلا الصيام فإنهم لا حظّ لهم فيه ؛ قاله الخطابي . وثالثها : أن أعمالهم هي أوصافهم ، ومناسبة لأحوالهم إلا الصيام ؛ فإنه استغناء عن الطعام ، وذلك من خواص أوصاف الحق سبحانه وتعالى . ورابعها : أن أعمالهم مضافة إليهم إلا الصيام فإن الله تعالى أضافه إلى نفسه تشريفًا ، كما قال : ( بيتي ) و( عبادي ) .
وخامسها : أن أعمالهم يقتص منها يوم القيامة فيما عليهم إلا الصيام فإنه لله ، ليس لأحد من أصحاب الحقوق أن يأخذ منه شيئًا . قاله ابن العربي . وقد كنت استحسنته إلى أن فكرت في حديث المقاصة ، فوجدت فيه ذكر الصوم في جملة الأعمال المذكورة للأخذ منها ، فإنه قال فيه : ( هل تدرون من المفلس ؟ ) قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .
فقال : ( المفلس هو الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وضرب هذا ، وسفك دم هذا ، فيأخذ هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه ؛ أُخِذ من سيئاتهم فطرح عليه ، ثم طرح في النار ) . وهذا يدلُّ على أن الصوم يؤخذ كسائر الأعمال . وسادسها : أن الأعمال كلَّها ظاهرة للملائكة ، فتكتبها إلا الصوم ، وإنما هو نية وإمساك ، فالله يعلمه ، ويتولى جزاءه ؛ قاله أبو عبيد .
وسابعها : أن الأعمال قد كشفت لبني آدم مقادير ثوابها ، وتضعيفها إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير ، ويشهد لهذا مساق الرواية الأخرى التي فيها : ( كل عمل ابن آدم يضاعف ؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، قال الله : إلا الصوم ، فإنه لي ، وأنا أجزي به ) ؛ يعني - والله تعالى أعلم - : أنه يجازي عليه جزاء كثيرًا من غير أن يعين مقداره ، ولا تضعيفه ، وهذا كما قال الله تعالى : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وهم الصائمون في أكثر أقوال المفسرين . وهذا ظاهر قول الحسن ، غير أنه قد تقدَّم ، ويأتي في غير ما حديث : أن صوم اليوم بعشرة ، وأن صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وصيام رمضان صيام الدهر . وهذه نصوص في إظهار التضعيف ، فَبَعُدَ هذا الوجه ، بل بطل .
والأولى حمل الحديث على أحد الأوجه الخمسة المتقدمة ؛ فإنها أبعد عن الاعتراضات الواقعة ، والله تعالى أعلم . وقوله : ( يذر شهوته وطعامه من أجلي ) ؛ تنبيه على الجهة التي بها يستحق الصوم أن يكون كذلك ، وهو الإخلاص الخاص به ، كما قدمناه في الوجه الأول . وقوله : ( الصيام جنَّة ) ، مادة هذه اللفظة التي هي : الجيم والنون كيف ما دارت صورها بمعنى : السترة ؛ كالجن ، والجنّة ، والجنون ، والمجن ؛ فمعناه : أن الصوم سترة ، فيصح أن يكون ( جُنَّة ) بحسب مشروعيته ؛ أي : ينبغي للصائم أن يعريه مما يفسده ، ومما ينقص ثوابه ؛ كمناقضات الصيام ، ومعاصي اللسان .
وإلى هذه الأمور وقعت الإشارة بقوله : ( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ، ولا يسخب ) إلخ ، ويصح أن يسمى : ( جُنَّة ) بحسب فائدته ، وهو إضعاف شهوات النفس ، وإليه الإشارة بقوله : ( ويذر شهوته وطعامه من أجلي ) . ويصح أن يكون جنة بحسب ثوابه . وإليه التصريح بقوله : ( من صام يومًا في سبيل الله باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفًا ) .
وقوله : ( فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يسخب ) ، لا يفهم من هذا الشرط : أن غير يوم الصوم يباح فيه الرفث والسخب ، فإنهما ممنوعان على الإطلاق ، وإنما تأكد منعهما بالنسبة إلى الصوم . والرفث : الفحش من الكلام ، والسخب منه . يقال : ( رَفَثَ ) بفتح الفاء ، ( يَرْفُث ) ، بضمها ، وكسرها .
و( رَفِثَ ) بكسرها في الماضي ( يَرْفَث ) بفتحها في المستقبل ( رَفْثًا ) بسكونها في المصدر ، وفتحها في الاسم . ويقال : ( أَرْفَث ) أيضا ، وهي قليلة . و( السَّخب ) : اختلاط الأصوات ، وكثرتها ، ورفعها بغير الصواب .
يقال : بالسين والصاد . وعند الطبري : مكان : ( لا يسخب ) ( لا يسخر ) ؛ يعني : السخرية بالناس ، والأول هو المعروف . والجهل في الصوم : هو العمل فيه على خلاف ما يقتضيه العلم .
وقد روى النسائي من حديث أبي هريرة مرفوعًا : ( من لم يدع قول الزور ، والعمل به ، والجهل في الصوم ، فليس لله حاجة في ترك طعامه وشرابه ) . وقوله : ( فإن أحد سابَّه أو قاتله فليقل : إني صائم ) ؛ المسابة والمقاتلة مما لا تكون إلا من اثنين غالبًا ، ولم تقع هنا إلا من أحدهما ، لكنه لما عَرَّضَ أحدهما الآخر لذلك صدق اللفظ عليهما . وظاهره : أن الصائم يقول ذلك القول المأمور به للساب ليسمعه ، وليعلمه اعتصامه بالصوم ، فينكف عن سبه .
ويحتمل أن يراد أنه يقول ذلك لنفسه مذكرًا لها بذلك ، وزاجرًا عن السباب . واختلف إذا سَبَّ الصائم أحدًا ، أو اغتابه : فالجمهور على أن ذلك ليس بمفسد للصوم . وذهب الأوزاعي : إلى أن ذلك مفطرٌ مُفسدٌ .
وبه قال الحسن فيما أحسب . وقوله : ( لَخُلُوف فم الصائم ) ، هكذا الرواية الصحيحة ؛ بضم الخاء ، ومن لا يحقق بقوله بفتح الخاء . وقال الخطابي : هو خطأ .
قال الهروي : خلف فوه : إذا تغير ، يخلف ، خلوفًا . ومنه : حديث علي وسُئل عن قبلة الصائم فقال : ( وما أَرَبُكَ إلى خلوف فيها ؟ ) . ويقال : نومة الضحى مخلفة للفم ؛ أي : مغيرة .
قال صاحب الأفعال : خلف فوه ، وأخلف . وقد أخذ الشافعي من هذا الحديث منع الصائم من السِّواك من بعد الزوال . قال : لأن ذلك الوقت مبدأ الخلوف ، قال : والسواك يذهبه .
وربما نظم بعض الشافعية في هذا قياسًا ، فقال : أثر عبادة فلا يُزَال كدم الشهيد . وهذا القياس ترد عليه أسئلة من جملتها ؛ القول : ومع أن السِّواك يزيل الخلوف ، فإنه من المعدة والحلق ، لا من محل السِّواك ، وحينئذ لا يلزم شيء من ذلك . وقد أجاز كافة العلماء للصائم أن يتسوَّك بسواك لا طعم له ، في أي أوقات النهار شاء .
وقوله : ( أطيب عند الله من ريح المسك ) ؛ لا يتوهم : أن الله تعالى يستطيب الروائح ، ويستلذها ، كما يقع لنا من اللذة ، والاستطابة ؛ إذ ذاك من صفات افتقارنا ، واستكمال نقصنا ، وهو الغني بذاته ، الكامل بجلاله وتقدسه . على أنا نقول : إن الله تعالى يدرك المدركات ، ويبصر المبصرات ، ويسمع المسموعات على الوجه اللائق بجماله وكماله وتقدسه عن شبه مخلوقاته ، وإنما معنى هذه الأطيبية عند الله تعالى راجعة إلى أن الله تعالى يثيب على خلوف فم الصائم ثوابًا أكثر مما يثيب على استعمال روائح المسك ، حيث ندب الشرع إلى استعماله فيها ، كالجمع والأعياد وغير ذلك . ويحتمل أن يكون ذلك في حق الملائكة ، فيستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك .
وقوله : ( وللصائم فرحتان : إذا أفطر فرح بفطره ) ؛ أي : فرح بزوال عطشه وجوعه حين أبيح له الفطر . وهذا الفرح طبيعي ، وهو السابق للفهم . وقيل : إن فرحه بفطره ؛ إنما هو من حيث إنه: تمام صومه ، وخاتمة عبادته ، وتحقيق ريّه ومعونته على مستقبل صومه .
وأما قوله : ( وإذا لقي ربه فرح بصومه ) ؛ أي : بجزاء صومه وثوابه .