باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمة ومتى يدخلها
) باب للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد فيضرب خيمة ومتى يدخلها ، واعتكاف النساء في المسجد وأن المعتكف لا يخرج من معتكفه إلا لحاجته الضرورية 1172 ( 6 ) [1036] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ ، وَأنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ ، أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ فَقَالَ: آلْبِرَّ تُرِدْنَ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ . 297( 6 ) [1037] وعنها قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان . ( 2 ) ومن باب: للمعتكف أن يختص بموضع من المسجد قول عائشة : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ، ثم دخل في معتكفه ) ؛ أخذ بظاهره الأوزاعي ، والثوري ، والليث في أحد قوليه .
وقال أبو ثور : يفعل هذا من نذر عشرة أيام ، فإن زاد عليها فقبل غروب الشمس من الليلة . وقال مالك : لا يدخل اعتكافه إلا قبل غروب الشمس . وقال أحمد ، ووافقهما الشافعي وأبو حنيفة ، وأبو ثور في الشهر ، واختلفوا في الأيام : فقال الشافعي : يدخل فيها قبل طلوع الفجر ، وبه قال القاضي أبو محمد عبد الوهاب في الأيام وفي الشهر .
وقال عبد الملك : لا يعتد بذلك اليوم . وسبب هذا الخلاف هو : هل أول ليلة أيام الاعتكاف داخلة فيها أم لا تدخل ؟ وإن اليوم هو المقصود بالاعتكاف ، والليل تابع ؛ قولان : ومن قال بالأول تأول الحديث المتقدم ، على أن معناه : أنه كان إذا صلَّى الصبح في الليلة التي دخل من أولها في اعتكافه ، دخل قبة اعتكافه التي ينزوي فيها نهاره ، لا أن وقت دخوله قُبَّته كان أول اعتكافه ، والله تعالى أعلم . وقولها : ( وإنه أمر بخبائه فضرب ) ؛ هذا إنما كان قبل أن يشرع في الاعتكاف ، بدليل قولها : ( أراد الاعتكاف في العشر الأواخر ) ؛ ففي كلامها هذا تقديم وتأخير ، فإن أول ما فعل لما أراد الاعتكاف ضرب له الخباء ، ثم إن أزواجه لما رأين عزمه على الاعتكاف ، وأخذه فيه ؛ شرعن فيه رغبة منهن في الاقتداء به ، وفي تحصيل الأجر ، غير أنهن لم يستأذنه ، فلذلك أنكر عليهن ، ويحتمل أن يكون إنكاره لأوجه أخر : منها : أن يكون خاف أن يكون الحامل لهن على الاعتكاف غيرتهن عليه ، وحرصهن على القرب منه .
ومنها : أن يكون كره لهن ملازمتهن المسجد مع الرِّجال ، أو يكن ضيقن المسجد على الناس بأخبيتهن ، أو يؤدي مكثهن في المسجد إلى أن يطلع عليهن المنافقون لكثرة خروجهن لحاجتهن ، أو يؤدي ذلك إلى أن تنكشف منهن عورة ، أو يؤدي ذلك إلى تضييع حقوق النبي - صلى الله عليه وسلم - وحوائجه في بيوتهن . وكل هذه الاحتمالات مناسبة ، وبعضها أقرب من بعض ، ولا يبعد أن يكون مجموعها هو المراعى عنده ، أو شيء آخر لم يُطَّلع عليه ، والله تعالى أعلم . وأما استئذان المرأة زوجها في الاعتكاف المتطوع به ، فلا بدَّ منه عند العلماء للذي تقدم في استئذانها إيَّاه في الصوم ، وللزوج أن يمنعها منه ما لم يكن نذرًا معينًا ، فلو كان مطلقًا ، فله أن يمنعها من وقت إلى وقت ما لم تخف الفوت .
وكذلك العبد والأمة . وقوله : ( آلبِرَ تُرِدْنَ ؟ ) بهمزة الاستفهام ، ومده على جهة الإنكار ، ونصب ( البر ) على أنه مفعول ( تردن ) مقدمًا . وأمره - صلى الله عليه وسلم - بتقويض خبائه ، وتركه الاعتكاف ؛ إنما كان ذلك - والله أعلم - قبل أن يدخل في الاعتكاف ، وهو الظاهر من مساق الحديث ، فلا يكون فيه حجة لمن يقول : إن من دخل في تطوع جاز له أن يخرج منه ، وإنه إنما كان عزم عليه ، وأراده ، لا أنه دخل فيه .
وتركه - صلى الله عليه وسلم - الاعتكاف في ذلك العشر الذي كان قد عزم على اعتكافه : إنما كان مواساة لأزواجه ، وتطييبًا لقلوبهن ، وتحسينًا لعشرتهن ، أو لعله توقع من تماديه على الاعتكاف ظن أنه هو المخصوص بالاعتكاف دونهن . وكونه اعتكف في شوال يدل : على أن الاعتكاف ليس مخصوصًا برمضان ، ولا يقال فيه ما يدل على قضاء التطوع ؛ لأنا لا نسلم أنه قضاء ، بل هو ابتداء ؛ إذ لم يجب عليه لا بالأصل ، ولا بالنذر ، ولا بالدخول فيه ؛ إذ لم يكن دخل فيه بعد . كيف ومعقولية القضاء إنما تتحقق فيما اشتغلت الذمة به ، فإذا لم يكن شُغل ذمةٍ ، فأي شيء يقضي ؟ غاية ما في الباب : أنه ابتدأ عبادة هي من نوع ما فاته .