باب في الحلاق والتقصير
( 323 و 324 و 326 ) [1157] وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَتَى مِنًى ، فَأَتَى الْجَمْرَةَ ، فَرَمَاهَا، ثُمَّ أَتَى مَنْزِلَهُ بِمِنًى وَنَحَرَ، ثُمَّ قَالَ لِلْحَلَّاقِ: خُذْ وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ . وَفِي رِوَايَةٍ : فَبَدَأَ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فَوَزَّعَهُ الشَّعَرَةَ، وَالشَّعَرَتَيْنِ بَيْنَ النَّاسِ، ثُمَّ قَالَ: بِالْأَيْسَرِ فَصَنَعَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: هَاهُنَا أَبُو طَلْحَةَ؟ فدفعه إلى أبي طلحة . وفي أخرى: لما حلق شِقَّهُ الْأَيْمَنَ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ ، وَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، ثُمَّ نَاوَلَ الحالق الشِّقَّ الْأَيْسَرَ ، فَقَالَ: احْلِقْ فَحَلَقَهُ ، فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، فَقَالَ: اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ .
وفي أخرى : أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَسَّمَ شعر الجانب الأيمن بين الناس وشعر الأيسر أعطاه أم سليم . وقول أنس : ( إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى الجمرة فرماها ، ثم أتى منزله بمنى ، ونحر ، وحلق ) ؛ هذا يدل على أن مَن رمى جمرة العقبة حصل له تحلُّل ؛ لأنه بعد أن رمى حلق ، وهذا لا خلاف فيه في الجملة ، لكن اختلفوا في ماذا يستحل من محظورات الإحرام : فقال أبو ثور : يتمُّ تحلل الحاج من كل شيء إلا النساء برمي جمرة العقبة . وقال الشافعي وأصحاب الرأي ، وجماعة من العلماء : بل حتى يحلق .
وذهب مالك إلى أن الذي يحل له برمي جمرة العقبة كل شيء إلا النساء ، والطيب ، والصيد . واختلف قوله إذا تطيب بعد الجمرة ، وقبل الإفاضة ؛ هل يجب عليه دم أو لا ؟ وروي عن عمر : أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب . وعن عطاء : إلا النساء والصيد .
ولا خلاف في أنه لا يحل النساء ، ولا الصيد بعد الجمرة ، وأنه يحل له جميع محظورات الإحرام بعد الإفاضة . وتعديد ما يحرم على المحرم مُفصل في كتب الفقه . وقوله للحلاق : ( خذ ) وأشار إلى جانبه الأيمن ؛ هذا على عادته - صلى الله عليه وسلم - في الابتداء باليمين في أفعاله ؛ فإنه كان يحب التيمُّن في شأنه كلِّه .
وتوزيعُه شعره على الناس حرصًا منه على تشريكهم في التبرك به ، وفي ثوابه . وقوله : ( فوزَّعه : الشعرة والشعرتين بين الناس ) ؛ ليس بمخالف لقوله في الرواية الأخرى لأبي طلحة : ( اقسمه بين الناس ) ؛ فإنه لما أمر بتوزيعه أبا طلحة صح أن يُضاف التوزيع له . كما يقال : إنه - صلى الله عليه وسلم - رجم ماعزًا ، وقطع يد السارق في مجن ؛ أي : أمر بذلك .
وقوله : ( لما حلق شعر رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة ) ؛ ليس مناقضًا لما في الرواية الثانية : أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس ، وشعر الأيسر أعطاه أم سليم - وهي امرأة أبي طلحة ، وهي أم أنس - ويحصل من مجموع هذه الروايات : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حلق الشق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس ، ففعل أبو طلحة ، وناول شعر الشق الأيسر لأم سليم ليكون عند أبي طلحة ، فصحت نسبة كل ذلك إلى من نسب إليه على ما قررناه ، والله أعلم . وهذا أولى من أن نُقدِّر تناقضًا واضطرابًا . والحمد لله .